هل تستطيع الحكومة المقبلة الانتقال بالمغرب من موقع جيوسياسي إلى موقع جيوستراتيجي في الظروف الراهنة ؟؟
صوت العدالة:محمد الموستني
ان الخلط بين الموقع الجيوسياسي والموقع الجيو-استراتيجي هو أصل أزمتنا التحليلية. الأول، كما حدده ماكيندر وسبايكمان، هو معطى ثابت تمنحه الجغرافيا: الإطلالة على المتوسط والأطلسي، والتحكم النظري في مضيق جبل طارق، والقرب من السوق الأوروبية. هذا الموقع نملكه منذ قرون ولم يجعل منا قوة. أما الثاني، الموقع الجيو-استراتيجي، فهو ليس معطى بل هو وظيفة. وظيفة تكتسبها الدولة عندما تحول جغرافيتها إلى أداة لإنتاج الأمن والطاقة والمعرفة للآخرين، بحيث يصبح المساس بها مساسا بتوازن النظام الإقليمي نفسه.
الظرفية الدولية تخدم المغرب موضوعيا أكثر من أي فترة منذ الحرب الباردة. ثلاث تحولات كبرى تجعل من موقعنا أكثر من مجرد ميزة.
أولا، أزمة البحر الأحمر وباب المندب أعادت الاعتبار للواجهة الأطلسية كطريق تجاري آمن، وهو ما يمنح مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، الذي بلغت نسبة إنجازه 65% بكلفة 1.2 مليار دولار وبطاقة 35 مليون طن، بعدا يتجاوز البنية التحتية ليصبح مشروعا لإعادة رسم طرق الإمداد، وجوهر المبادرة الأطلسية الملكية لربط دول الساحل بالعالم.
ثانيا، استراتيجية الـ Nearshoring الأوروبية. تبحث أوروبا عن قاعدة صناعية قريبة للخروج من التبعية الآسيوية. والتبعية بالأرقام صادمة: في 2024، استورد الاتحاد الأوروبي 88% من بطاريات الليثيوم من الصين، وبقيمة 27 مليار يورو. أوروبا لا تبحث عن شريك رخيص، بل عن شريك آمن. والمغرب هو المرشح الوحيد في شمال إفريقيا الذي يجمع بين اتفاقيات التبادل الحر مع أوروبا والولايات المتحدة والاستقرار السياسي.
ثالثا، حرب الطاقة والهيدروجين الأخضر. حسب دراسة لمعهد فراونهوفر الألماني، يمكن للمغرب نظريا أن يصبح المزود الأول لأوروبا بالهيدروجين الأخضر بحلول 2050 بطاقة تصل إلى 160 تيراواط ساعة، ليلبي 5% من الطلب الأوروبي. وتقدر الوكالة الدولية للطاقة كلفة إنتاجه في المغرب بين 1.5 و 2.5 دولار للكيلوغرام بحلول 2050، وهو ما يفسر توقيع اتفاق نوايا مع ألمانيا للاستيراد بحلول 2030، وإعلان المجمع الشريف للفوسفاط إنتاج 1،1مليون طن من الأمونيا الخضراء سنويا بحلول 2027.
نظريا، كل الشروط الخارجية متوفرة. لكن المعضلة، كما يقول بول كينيدي في تحليله لسقوط القوى العظمى، تكمن دائما في العلاقة بين التوسع الخارجي والقدرة الداخلية على التحمل.
فالانتقال إلى موقع جيو-استراتيجي يفترض ثلاث سيادات:
السيادة الأولى هي السيادة على القاعدة الخلفية. لا يمكن لدولة أن تمارس أدوارا أطلسية بينما عمقها الترابي هش. هشاشة الأمن المائي ونزيف الرأسمال البشري وتكريس الفوارق المجالية يحول أي مشروع إلى واجهة زجاجية بلا جدران. القاعدة الخلفية ليست ملفا اجتماعيا، هي ملف أمن قومي.
السيادة الثانية هي سيادة القانون والتنافسية. لا توجد حالة واحدة لدولة تحولت إلى موقع جيو-استراتيجي في ظل اقتصاد ريعي مغلق. المستثمر الاستراتيجي لا يبحث عن إعفاء ضريبي، بل عن قضاء مستقل.
السيادة الثالثة هي السيادة المعرفية. الموانئ لا تدار بالرافعات فقط، بل بالخوارزميات. لا يمكن بناء موقع جيو-استراتيجي ببحث علمي لا تتجاوز ميزانيته 0.7% من الناتج الداخلي الخام.
خلاصة القول، إن الحكومة المقبلة لن تُسأل عن عدد الكيلومترات من الطرق السيارة التي ستبنيها، بل عن جوابها على سؤال مركزي: هل ستملك الشجاعة السياسية للانتقال من منطق تدبير الواجهة إلى منطق تأمين العمق؟ إذا استمرت في منطق التسيير التقني للمشاريع الكبرى دون إصلاح يؤمن القاعدة الخلفية، فإن المغرب سيبقى موقعا جيوسياسيا و مجرد ممر آمن لبضائع وقرارات الآخرين .