سانشيز يراهن على صناديق الاقتراع: أزمة السكن تشعل المواجهة بين اليسار واليمين في إسبانيا
بين سقوط مراسيم السكن والدعوة إلى انتخابات مبكرة، يحاول رئيس الحكومة تحويل الأزمة البرلمانية إلى معركة سياسية حول الحقوق الاجتماعية. وفي المقابل، يتجه الصراع نحو مجلس الشيوخ، حيث يسعى اليسار إلى توحيد قوائمه، فيما يدرس فوكس خطوات لتفادي تشتت أصوات اليمين.
محمد قريوش – إسبانيا – صوت العدالة
دخلت إسبانيا مرحلة جديدة من المواجهة السياسية بعد إعلان رئيس الحكومة بيدرو سانشيز تقديم موعد الانتخابات العامة إلى 29 نوفمبر 2026، في أعقاب فشل حكومته في تمرير مرسومين مرتبطين بالسكن داخل مجلس النواب. ولم يعد الخلاف مقتصراً على مضمون التدابير الحكومية، بل تحول إلى مواجهة أوسع بشأن قدرة الحكومة على إدارة أغلبيتها البرلمانية، ومستقبل السياسات الاجتماعية، وموازين القوى بين اليسار واليمين.
وجاءت الدعوة إلى الانتخابات في وقت تواجه فيه الحكومة صعوبات متزايدة في تأمين الأصوات اللازمة لتمرير مشاريعها، فيما تستعد المعارضة لاستثمار هشاشة الأغلبية الحكومية لإعادة طرح نفسها بديلاً سياسياً.
السكن يتحول إلى اختبار سياسي
شكّل رفض مرسومي السكن في 2 أكتوبر محطة بارزة في الأزمة. فقد سعت الحكومة إلى اتخاذ تدابير تتصل بحماية المستأجرين وتنظيم بعض جوانب سوق الإيجار، في سياق أزمة متصاعدة تتعلق بارتفاع الأسعار وصعوبة حصول فئات واسعة من الإسبان على مسكن مناسب.
لكن المرسومين لم يحصلا على الأغلبية اللازمة، بعدما صوّت الحزب الشعبي وفوكس وقوى أخرى ضدهما. ويكشف ذلك أن تعثر الحكومة لا يرتبط فقط بمواجهة مباشرة مع اليمين، وإنما أيضاً بصعوبة المحافظة على تحالفات برلمانية متباينة المصالح والحسابات.
ومع ذلك، فإن سقوط التدابير الحكومية لا يعني تلقائياً أن المعارضة تمتلك حلاً بديلاً أكثر فعالية. فرفض سياسة معينة يختلف عن تقديم سياسة قادرة على معالجة أزمة السكن، وهي قضية تمس الشباب والأسر والعمال، وتؤثر مباشرة في القدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي.
هل أحسن سانشيز استثمار الأزمة؟
يمكن قراءة قرار سانشيز الدعوة إلى انتخابات مبكرة باعتباره محاولة لنقل الصراع من البرلمان إلى الناخبين. فبدلاً من استمرار الحكومة في الدفاع عن أغلبيتها الهشة، أصبح بإمكانها طرح سؤال مباشر على المجتمع: أي السياسات يريد الإسبان في مجال السكن والحماية الاجتماعية؟
وتمنح هذه المقاربة رئيس الحكومة فرصة لإعادة تأطير الأزمة. ففي البرلمان، كان السؤال هو ما إذا كانت الحكومة قادرة على جمع الأصوات اللازمة. أما انتخابياً، فيمكن أن يصبح السؤال هو ما إذا كانت المعارضة مستعدة لتحمل مسؤولية رفض التدابير الاجتماعية، وما البدائل التي تقترحها.
لكن هذا الرهان لا يخلو من المخاطر. فقد يقرأ الناخبون الانتخابات المبكرة باعتبارها اعترافاً بفشل الحكومة في إدارة البرلمان، وقد يحوّل الحزب الشعبي الحملة إلى تقييم شامل لأداء سانشيز، لا إلى استفتاء على ملف السكن وحده.
لذلك، فإن ما حققه سانشيز حتى الآن هو تغيير ساحة المواجهة، لا حسم نتيجتها.
مجلس الشيوخ يدخل قلب المعركة
بالتوازي مع أزمة السكن، يتقدم مجلس الشيوخ إلى واجهة الحسابات الانتخابية. فقد توصل الحزب الاشتراكي وقوى تقدمية، بينها اليسار المتحد وحركة سومار وأحزاب أخرى، إلى اتفاق لتقديم قوائم مشتركة تحت اسم «Senado de Progreso» في عدد من الدوائر الانتخابية.
وتقوم الفكرة على تقليل تشتت الأصوات بين المرشحين المتقاربين سياسياً، في نظام انتخابي يمنح أفضلية للقوائم القادرة على تجميع الدعم داخل الدائرة الواحدة. وبذلك، يسعى اليسار إلى الحد من فرص الحزب الشعبي في تجديد أغلبيته داخل المجلس.
وفي المقابل، أفادت تقارير صحفية بأن فوكس يدرس عدم تقديم مرشحين في بعض الدوائر التي لا يملك فيها فرصاً قوية، بما يسمح بتوجيه أصوات اليمين نحو مرشحي الحزب الشعبي. غير أن هذا الاحتمال لا ينبغي الخلط بينه وبين اتفاق شامل ونهائي بين الحزبين على جميع الدوائر.
وتكمن أهمية المعركة في أن مجلس الشيوخ ليس مؤسسة شكلية. فهو يشارك في العملية التشريعية، وله أدوار دستورية ومؤسسية، ويمكن لموازين القوى داخله أن تؤثر في مسارات سياسية حساسة. ومع ذلك، فإن السيطرة عليه لا تعني وحدها إسقاط الحكومة أو تحديد هوية رئيسها؛ فذلك يرتبط أساساً بنتائج الانتخابات العامة وتركيبة مجلس النواب.
وحدة انتخابية لا تعني وحدة سياسية
يبدو أن اليسار أدرك أن خوض معركة مجلس الشيوخ بأصوات متفرقة قد يمنح اليمين أفضلية إضافية. لكن الاتفاق على قوائم مشتركة لا يعني اختفاء الخلافات بين مكونات اليسار، ولا يضمن أن تمتد الوحدة إلى جميع الدوائر أو إلى الانتخابات الخاصة بمجلس النواب.
كما أن غياب بعض القوى، وفي مقدمتها بوديموس، عن الاتفاق الواسع يكشف حدود التقارب بين الأحزاب التي تتفق على مواجهة اليمين، لكنها تختلف بشأن القيادة والأولويات والاستراتيجية.
أما الحزب الشعبي وفوكس، فيواجهان بدورهما معضلة مشابهة: فالتنسيق الانتخابي قد يزيد فرص الفوز، لكنه يطرح أسئلة حول شروط تشكيل الحكومة المقبلة، ومدى استعداد الحزب الشعبي لمنح فوكس نفوذاً سياسياً يتناسب مع وزنه الانتخابي.
معركة تتجاوز أسماء المرشحين
ستختبر انتخابات 29 نوفمبر قدرة الأحزاب على تحويل مواقفها البرلمانية إلى روايات انتخابية مقنعة. وسيكون على سانشيز إثبات أن الدفاع عن الحقوق الاجتماعية ليس مجرد خطاب انتخابي، بل مشروع قادر على إنتاج نتائج ملموسة. وفي المقابل، سيحتاج الحزب الشعبي وفوكس إلى تجاوز الاكتفاء بمعارضة الحكومة، وتقديم بدائل واضحة في السكن والاقتصاد والخدمات العامة.
والسؤال المركزي هو ما إذا كان الناخب الإسباني سيعاقب الحكومة على عجزها عن تمرير مشاريعها، أم سيحاسب المعارضة على رفض تدابير اجتماعية في وقت تتصاعد فيه الضغوط المعيشية.
في هذه المعركة، تبدو قدرة سانشيز على إعادة صياغة النقاش نقطة قوة محتملة، لكنها ليست ضمانة للفوز. فالأزمات الاجتماعية لا تُحسم بالشعارات وحدها، كما أن إسقاط المراسيم لا يكفي لإقناع الناخبين بجدوى البديل.
قد يكون سانشيز قد نجح في نقل المواجهة من أزمة الأغلبية البرلمانية إلى ساحة الانتخابات. لكن الحكم النهائي سيصدر عن الناخبين، الذين سيقارنون بين السياسات والنتائج، لا بين الشعارات وحدها.