هل أنهت فاطمة المنصوري مشاوراتها؟ تقرير عن ملامح الأغلبية الحكومية المقبلة ورهانات المعارضة
صوت العدالة- عبد السلام اسريفي
مقدمة: مشاورات على مفترق طرق
مع تعيينها من طرف الملك محمد السادس رئيسةً للحكومة، انطلقت فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، في جولات متتالية من المشاورات مع مختلف الأحزاب الممثلة في البرلمان، بهدف بناء أغلبية حكومية جديدة. وبعد أسابيع من المفاوضات المكثفة، بدأت ملامح هذه الأغلبية تتضح تدريجياً، وإن كانت بعض الملفات لا تزال مفتوحة على أكثر من احتمال.
الخريطة البرلمانية: الأرقام والمفارقات
أفرزت نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 خريطة سياسية جديدة أبرز ملامحها صعود حزب الأصالة والمعاصرة إلى المرتبة الأولى بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فحزب العدالة والتنمية بـ54 مقعداً، وهي أرقام تؤكدها النتائج النهائية التي أعلنتها وزارة الداخلية.
وتوزعت باقي المقاعد على أحزاب أخرى، حيث حصلت الحركة الشعبية على 29 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية على 19 مقعداً، والاتحاد الدستوري على 17 مقعداً، بينما نالت الحركة الديمقراطية الاجتماعية و«تحالف اليسار» 8 مقاعد لكل منهما.
الأغلبية الحكومية المرتقبة: 207 مقاعد وخيارات مفتوحة
تشير المعطيات المتوفرة إلى أن المنصوري تميل بشكل متزايد نحو تشكيل تحالف يجمع حزبها مع المكونات الثلاثة لـ«الكتلة الديمقراطية»: حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية. وتوفر هذه الصيغة مجتمعةً 207 مقاعد في مجلس النواب، أي بزيادة تسعة مقاعد عن عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً.
وقد اتضح أن هذا التوجه يقضي باستبعاد فرضية تجديد التحالف مع حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة السابقة، وهو خيار لقي معارضة واسعة داخل المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، حيث تعالت أصوات رافضة لإعادة إنتاج تركيبة الأغلبية السابقة.
غير أن الأغلبية لا تزال مفتوحة على احتمالات التوسع، إذ تدرس المنصوري إمكانية ضم حزب الحركة الشعبية (29 مقعداً) ليصبح عدد أعضاء الأغلبية 236 برلمانياً، أو اللجوء إلى مساندة الفريق النيابي المشترك للاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية (25 مقعداً) ليرتفع العدد إلى 232 برلمانياً.
الصعوبات والتعقيدات: اعتراضات متبادلة
لم تخلُ المشاورات من تعقيدات، إذ كشفت مصادر إعلامية عن اعتراضات متبادلة بين الأحزاب المرشحة للمشاركة. فقد اعترض إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، على مشاركة حزب الحركة الشعبية، لأنه يتفوق عليه من حيث الترتيب بـ29 مقعداً مقابل 26، في حين اعترض نبيل بنعبد الله، أمين عام التقدم والاشتراكية، على مشاركة الفريق المشترك للاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، متمنياً أن يقتصر دورهما على المساندة من خارج الحكومة.
من جهته، أعرب نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، عن اعتراضه على مشاركة التجمع الوطني للأحرار، وهو اعتراض رفضته المنصوري التي أكدت أنها هي من عينها الملك لتشكيل الحكومة، وليس أي طرف آخر.
في المقابل، لم يحسم الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية موقفهما النهائي بعد، مؤكدين أن المشاورات «مازالت مستمرة»، وأن خيار المساندة النقدية لا يزال مطروحاً. وقد قرر المكتب السياسي للاتحاد الدستوري لاحقاً تبني خيار «المساندة النقدية» للحكومة المقبلة مع الحفاظ على استقلالية قراره السياسي.
سؤال المعارضة: قوة عددية أم فاعلية سياسية؟
مع اتضاح ملامح الأغلبية، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة المعارضة المقبلة وقدرتها على التأثير. فالخريطة البرلمانية الحالية تشير إلى أن الأحزاب خارج التحالف الحكومي المرتقب قد تتوفر على ما يقارب 167 مقعداً، مقابل 228 مقعداً للأغلبية، أي بزيادة 42 مقعداً مقارنة بالولاية السابقة.
هذا الوزن العددي يمنح المعارضة، في حال تنسيق مكوناتها، القدرة على بلوغ عتبات دستورية لم تكن متاحة لها سابقاً، لا سيما عتبة الثلث اللازمة لتشكيل لجان تقصي الحقائق. ويتصدر حزب العدالة والتنمية (54 مقعداً) المشهد المعارض، بعد قفزته من 13 مقعداً فقط في انتخابات 2021، إلى جانب تحالف اليسار وعدد من الأحزاب الأخرى.
غير أن السؤال المطروح يتجاوز الحسابات العددية. فكما يشير عبد الرحيم العلام، أستاذ القانون الدستوري، فإن «القوة الفعلية تُقاس بالثقل السياسي ونوعية البروفايلات والقيادات النيابية»، مضيفاً أن «المعارضة قد تكون موسعة عددياً لكنها ضعيفة سياسياً بسبب تواضع أداء نخبها، والعكس صحيح تماماً».
هل تسير الأمور نحو استمرار الإنجازات أم تعديل المسار؟
إذا صحّت فرضية تشكيل الأغلبية بأحزاب «الكتلة» الأربعة، فإن السؤال المطروح هو: هل يمكن القول إن الأمور تسير في اتجاه استمرار الإنجازات وتعديل المسار؟
من الناحية العددية، توفر الأغلبية المرتقبة بـ207 مقاعد هامشاً مريحاً نسبياً، لكنه ليس مريحاً تماماً. فالفارق عن عتبة الأغلبية المطلقة (198 مقعداً) لا يتجاوز تسعة مقاعد، مما يعني أن أي انشقاق أو غياب جماعي قد يُربك حسابات التصويت. كما أن صيغة التحالف المطروحة تضم أحزاباً ذات تاريخ عريق في المشهد السياسي المغربي، لكنها تختلف في برامجها وأولوياتها، مما قد يفرض على الحكومة المقبلة جهداً استثنائياً للتوافق حول البرنامج الحكومي.
في المقابل، فإن وجود معارضة عددية ونوعية، يقودها حزب العدالة والتنمية الذي يتوعد بـ«معارضة شرسة»، قد يشكل عائقاً حقيقياً أمام تنفيذ برنامج المنصوري. فالمعارضة التي تتجاوز عتبة الثلث قادرة على تعطيل بعض المبادرات التشريعية، وعلى فرض نقاشات عمومية قد تؤثر في مزاج الرأي العام.
لكن التجربة السياسية المغربية تشير إلى أن قوة المعارضة لا تقاس بعدد مقاعدها فحسب، بل بقدرتها على بناء تحالفات عابرة للانتماءات الحزبية، وصياغة بدائل مقنعة، والتأثير في أجندة الحكومة. وفي هذا السياق، قد تشكل المعارضة المقبلة، بتركيبتها الجديدة، اختباراً حقيقياً لمرونة الحكومة وقدرتها على المناورة السياسية.
خاتمة: مشاورات لم تكتمل بعد
خلاصة القول، لم تنتهِ مشاورات فاطمة الزهراء المنصوري بشكل نهائي بعد. فإذا كانت ملامح الأغلبية قد بدأت تتضح، فإن بعض الملفات لا تزال مفتوحة، وبعض المواقف لم تُحسم. والأكيد أن الحكومة المقبلة، أياً كانت تركيبتها النهائية، ستجد نفسها أمام معارضة أكثر عدداً وتنوعاً من أي وقت مضى، مما يجعل المرحلة المقبلة مرحلة موازنة دقيقة بين الإنجاز والتفاوض، بين التنفيذ والرقابة، وبين استمرار المسار وتعديله في ضوء التوازنات الجديدة.