احترام اللغة العربية ضرورة تاريخية تجسدها الإرادة الملكية السامية.
صوت العدالة : محمد الموستني
إن الحديث عن اللغة العربية في المغرب ليس حديثا عن وسيلة تواصل، بل هو حديث عن ركن من أركان الدولة وهوية من هويات الأمة. فالعربية ليست لغة عابرة، بل هي اللغة الأم، لغة الضاد، ولغة كتاب الله تعالى، وهي بذلك مقدس من مقدسات المملكة إلى جانب الدين والعرش والوحدة الترابية. وهذه الحقيقة لم تكن اجتهادا، بل هي توجه ثابت للدولة جسدته الخطب الملكية السامية التي تعتبر المرجع الأسمى لكل السياسات العمومية.
وقد بلغ هذا التجسيد ذروته في الخطاب التاريخي للمغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، يوم 20 غشت 1994، حينما وضع الميزان الحضاري الدقيق بين الأصالة والتنوع، فقال قولته الخالدة: “علما منا أن تلك اللهجات قد شاركت اللغة الأم، ألا وهي لغة الضاد ولغة كتاب الله سبحانه وتعالى ولغة القرآن الكريم، في فعل تاريخنا وأمجادنا”.
إن في هذا القول الملكي السامي دستورا لغويا متكاملا. فهو أولا اعتراف صريح بأن اللهجات المغربية الأصيلة شريك في صنع التاريخ، وهو إنصاف لها قبل دسترتها بعقود. وهو ثانيا تثبيت لا يقبل التأويل بأن العربية هي الأصل، هي اللغة الأم، وما سواها مشارك لها، والمشاركة في المنطق اللغوي والتاريخي لا تعني الإحلال، بل تعني التكامل.
ومن هذا المنطلق، فإن احترام اللغة العربية هو في جوهره احترام لتوجهات الدولة وأهدافها. غير أن التأمل في واقع الممارسة يكشف عن مفارقة تكون احيانا مؤلمة،..
إن الأخطر مما نراه من خلط عشوائي بين العربية والفرنسية والاسبانية، وهو الخلط الذي نبه إليه المرحوم الحسن الثاني واعتبره عبئا أثقل كاهل الثقافة العربية، هو ما نشهده من تدهور فاضح في مستوى من يفترض فيهم أن يكونوا القدوة. فحين يرتكب نائب برلماني أو وزير أو رئيس مصلحة أو أستاذ جامعي أخطاء فادحة في الإعراب، ومنطق الحروف، وسلامة الكتابة، وهو يتحدث بالعربية التي هي لغته الأم، فإن الأمر يتجاوز الزلة اللغوية ليصبح حكما على المستوى الثقافي برمته. فاللغة مرآة الفكر، وسلامة اللسان دليل سلامة العقل، ومن عجز عن إقامة لسانه بلغة أمته، فقد أقام الدليل على نفسه بأن المنصب الذي يتولاه أكبر من كفاءته.
إننا نرى اليوم في كلياتنا دروسا تلقى بدارجة هجينة، وعروضا تقدم بلغة أجنبية، وكأن العربية عاجزة عن احتضان العلم. ونرى في بعض مقاولاتنا وإداراتنا لافتات ومراسلات تتجاهل العربية تجاهلا تاما، في خرق صارخ لمبدأ السيادة اللغوية الذي أقره الدستور وكرسته الخطب الملكية.
إن الانفتاح على اللغات الأجنبية ضرورة حضارية، وقد لخصها المرحوم الحسن الثاني في قوله البليغ: “الأمي ليس من لا يحسن القراءة والكتابة، ولكن من لا يعرف إلا لغة واحدة”. فنحن لا ندعو إلى الانغلاق، بل ندعو إلى الترتيب الصحيح للأولويات: أن نتقن لغتنا الأم أولا إتقانا كاملا، ثم ننفتح على أمازيغيتنا كهوية، وعلى لغات العالم كسلاح للمعرفة.
إن احترام العربية إعرابا وكتابة ونطقا هو المعيار الحقيقي لكفاءة المسؤول، وهو الاحترام الحقيقي لتوجهات الدولة التي جعلت من اللغة أساسا للوحدة لا أداة للتهجين.