إصلاح المنظومة التربوية التعليمية رهين بإعادة الاعتبار للتنشئة الاجتماعية.
محمد الموستني:صوت العدالة
إن كل حديث عن إصلاح المنظومة التربوية التعليمية بالمغرب سيظل إصلاحا تقنيا أعرج ما لم يتم إرجاعه إلى وظيفته الأصلية المتمثلة في التنشئة الاجتماعية، فالمدرسة ليست مجرد فضاء لتلقين مهارات قابلة للتشغيل، بل هي الجهاز المركزي للدولة الذي يصنع المواطن ويشكل وعيه وذاكرته وقيمه. وفي هذا السياق يبرز تهميش مواد التاريخ والجغرافيا والفلسفة ليس كخلل بيداغوجي بسيط، بل كخلل بنيوي يمس روح المنظومة نفسها. فهذه المواد لم يتم إقصاؤها رسميا من المقررات، بل تم تهميشها بشكل مقنع وناعم عبر آليات ثلاث، أولها ضعف ساعات التدريس التي لا تتجاوز في كثير من المستويات ساعتين في الأسبوع، وهو توقيت لا يسمح لا ببناء إشكالية ولا بنقاش حقيقي. وثانيها هزالة المعامل، حيث يتم منح معاملات عليا للمواد العلمية والتقنية، ورسالة ضمنية للتلميذ والأسرة أن التاريخ والجغرافيا والفلسفة مواد ثانوية للنجاح وليست أساسية للتكوين. وثالثها المنهجية المتبعة، فالتاريخ يدرس كسرد خطي للحفظ والاستظهار للامتحان، بعيدا عن تحليل الوثيقة وفهم منطق الأحداث وربطها بقضايا الهوية والوحدة الترابية والذاكرة الوطنية. وتدرس الجغرافيا كوصف جامد للتضاريس والمناخ، بدلا من كونها وعيا بالمجال وتحليلا لأزماته الحقيقية المرتبطة بندرة الماء والتفاوت المجالي والهجرة والتغير المناخي. أما الفلسفة فقد تحولت من ممارسة للتفكير النقدي والشك والحجاج، إلى ملخصات جاهزة لمجزوءات الوضع البشري والمعرفة والسياسة والأخلاق، يحفظها التلميذ ليعيد إنتاجها يوم الامتحان. إن نتيجة هذا التهميش المزدوج، الزمني والمعنوي والمنهجي، هي إنتاج جيل يتقن استعمال الأدوات لكنه يفتقد إلى البوصلة، جيل يعرف كيف يستعمل الهاتف الذكي لكنه لا يمتلك مناعة فكرية ضد الأخبار الزائفة، ولا وعيا مجاليا بقضايا وطنه، ولا قدرة نقدية لمناقشة الخطابات المتطرفة. وهذا ما يفسر حالة الانفصام التي نعيشها، تلميذ يسكن المغرب جغرافيا ولا يسكنه وجدانيا. وإذا ما أسقطنا هذا الواقع على التوجهات المعلنة لحد الآن للحكومة الجديدة من خلال مشروع قانون المالية لسنة 2026، نجد مؤشرات على استمرار نفس المنطق، في انتظار صدور البرنامج الحكومي المفصل أمام البرلمان. فالتوجه المعلن يركز بشكل مشروع على الرقمنة والذكاء الاصطناعي والنجاعة وتعميم التعليم الأولي ومواصلة تعميم نموذج مدارس الريادة، وهي أوراش مهمة خصص لها قانون المالية ميزانية ضخمة، لكنه يغفل المحور القيمي. فلا يمكن الحديث عن دولة اجتماعية وسيادة وطنية بمدرسة تهمش مواد السيادة الرمزية. إن إصلاح المنظومة اليوم رهين بقرار سياسي شجاع يعيد الاعتبار للتنشئة الاجتماعية، وذلك عبر الرفع من معاملات التاريخ والجغرافيا والفلسفة ومواد القيم الروحية والوطنية، والزيادة في حصصها الأسبوعية، وتجديد منهجية تدريسها من منطق الحفظ إلى منطق الفهم والنقاش والمشروع، وربطها بالواقع عبر متاحف مدرسية ورحلات تاريخية وأندية فلسفية حقيقية وممارسات يومية. فالمدرسة التي لا تربي مواطنا بذاكرة ووعي وفكر نقدي، حتى وإن كانت رقمية وناجعة، ستبقى مدرسة تنتج أيدي عاملة ولا تنتج وطنا.