سياسة

بعد تصدره الانتخابات.. أي أغلبية سيختارها «البام» لتشكيل الحكومة؟

صوت العدالة- عبد السلام اسريفي

أفرزت الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر الجاري خريطة سياسية جديدة، تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فيما حل حزب العدالة والتنمية رابعاً بـ54 مقعداً، وفق النتائج المؤقتة المعلنة من طرف وزارة الداخلية.

وبموجب الفصل 47 من الدستور، يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، ما يجعل حزب الأصالة والمعاصرة في صدارة المشاورات المرتقبة لتشكيل الحكومة المقبلة. غير أن تصدر الانتخابات لا يعني امتلاك الأغلبية، إذ لا يتوفر الحزب بمفرده سوى على 97 مقعداً، في حين تحتاج الحكومة إلى نيل ثقة مجلس النواب بأغلبية مطلقة، أي 198 نائباً.

ومن هنا تبدأ الحسابات السياسية المتعلقة بالتحالفات، والتي تبدو مفتوحة على أكثر من سيناريو.

الاستقلال في قلب المعادلة

يبدو حزب الاستقلال، صاحب الـ65 مقعداً، أحد أبرز مفاتيح الأغلبية المقبلة، بالنظر إلى موقعه العددي وقدرته على ترجيح أكثر من صيغة.

فالتحالف بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال يمنح الأغلبية المقبلة 228 مقعداً، أي بفارق 30 مقعداً عن عتبة الأغلبية المطلقة.

وهذه الصيغة ليست جديدة بالكامل، إذ إن الأحزاب الثلاثة كانت تشكل الائتلاف الحكومي المنتهية ولايته، قبل أن تفرز انتخابات 2026 ترتيباً جديداً داخل المعسكر نفسه، أصبح فيه «البام» القوة الأولى برلمانياً.

لكن الحساب العددي لا يلغي المعطى السياسي؛ فقد شهدت العلاقة بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار توتراً خلال المرحلة السابقة والحملة الانتخابية، وهو ما يجعل إعادة جمع الأحزاب الثلاثة في حكومة واحدة رهينة بالمفاوضات السياسية المقبلة.

هل يعود «الأحرار» إلى الحكومة؟

يبقى التجمع الوطني للأحرار أحد الخيارات الأساسية أمام «البام»، رغم أن العلاقة بين الطرفين عرفت خلال الفترة الأخيرة خلافات وتجاذبات سياسية.

وكانت فاطمة الزهراء المنصوري قد عبّرت، قبل الانتخابات، عن مواقف متحفظة بشأن الاشتغال مع التجمع الوطني للأحرار، غير أن خطاب الحزب بعد ظهور النتائج اتخذ منحى أكثر انفتاحاً.

ففي ندوة صحافية عقدت الخميس بالرباط، أكدت المنصوري أن حزب الأصالة والمعاصرة منفتح على مختلف الأحزاب الوطنية، وأنه لا توجد «خطوط حمراء» بخصوص التحالفات، مشيرة إلى أن القرار النهائي بشأن الصيغة الحكومية سيخضع للنقاش داخل مؤسسات الحزب.

وبذلك، فإن عودة «الأحرار» إلى دائرة المشاورات تبقى احتمالاً قائماً، خصوصاً أن الجمع بينه وبين «البام» والاستقلال يوفر أغلبية مريحة بـ228 مقعداً.

ماذا عن حزب العدالة والتنمية؟

أما حزب العدالة والتنمية، الذي عاد بقوة إلى مجلس النواب بحصوله على 54 مقعداً، فإنه يمثل رقماً مهماً في الحسابات البرلمانية الجديدة.

فلو جمع «البام» مقاعده مع مقاعد «العدالة والتنمية»، فسيصل الطرفان إلى 151 مقعداً فقط، أي أقل بـ47 مقعداً من الأغلبية المطلوبة.

وبالتالي، فإن أي صيغة تجمع الحزبين ستظل بحاجة إلى شريك أو أكثر لاستكمال النصاب البرلماني.

غير أن الحسابات العددية وحدها لا تكفي لتوقع هذا التحالف، خصوصاً في ظل المواقف السياسية التي عبّر عنها حزب العدالة والتنمية تجاه الأصالة والمعاصرة خلال المرحلة الانتخابية. ولذلك يبقى الانتقال من التقارب أو الحوار السياسي إلى تحالف حكومي فعلي مسألة مرتبطة بالمفاوضات والبرامج وشروط كل طرف، وقرار المجلس الوطني البيجيدي المزمع عقده السبت المقبل.

سيناريو آخر: الاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي

هناك أيضاً صيغة أخرى يمكن أن تمنح «البام» أغلبية مريحة بعيداً عن التجمع الوطني للأحرار.

فإذا جمع حزب الأصالة والمعاصرة مقاعده إلى مقاعد الاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي، فإن المجموع سيصل إلى 217 مقعداً:

97 + 65 + 29 + 26 = 217 مقعداً.

وهو رقم يتجاوز عتبة الأغلبية المطلقة بـ19 مقعداً.

كما يمكن توسيع هذه الصيغة بإضافة حزب التقدم والاشتراكية، الذي حصل على 19 مقعداً، ليصل مجموع هذه التركيبة إلى 236 مقعداً، أي أغلبية برلمانية مريحة نسبياً.

غير أن الانتقال من الحساب البرلماني إلى التحالف الحكومي الفعلي سيظل مرتبطاً بمدى التقارب بين البرامج والمواقف السياسية لكل حزب، فضلاً عن طبيعة توزيع المسؤوليات داخل الحكومة.

«البام» أمام أكثر من باب

المعطيات الرقمية تؤكد أن أمام الحزب المتصدر للانتخابات أكثر من صيغة لتكوين الأغلبية.

فإلى جانب سيناريو البام – الأحرار – الاستقلال، بـ228 مقعداً، توجد صيغة البام – الاستقلال – الحركة الشعبية – الاتحاد الاشتراكي، بـ217 مقعداً، يمكن توسيعها بإضافة التقدم والاشتراكية لتصل إلى 236 مقعداً.

كما تبقى صيغ أخرى ممكنة حسابياً، من بينها تحالف «البام» مع الاستقلال والعدالة والتنمية، والذي سيصل إلى 216 مقعداً، أو الجمع بين «البام» والأحرار والعدالة والتنمية بـ217 مقعداً، وفق توزيع المقاعد المعلن.

لكن هذه التركيبات تظل، في الوقت الراهن، مجرد سيناريوهات حسابية، ولا تعني بالضرورة وجود اتفاقات سياسية بشأنها.

معركة تشكيل الحكومة تبدأ الآن

النتائج أفرزت إذن وضعاً سياسياً جديداً: «البام» أصبح القوة البرلمانية الأولى، لكنه يحتاج إلى شركاء لتأمين الأغلبية، فيما أصبح الاستقلال يحتل موقعاً محورياً في عدد من التركيبات الممكنة، بينما يظل التجمع الوطني للأحرار رقماً أساسياً بحكم وزنه البرلماني وتجربته داخل الحكومة المنتهية ولايتها.

وفي المقابل، أعاد صعود العدالة والتنمية تشكيل موازين المعارضة والأغلبية المحتملة، بعدما انتقل الحزب من 13 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 54 مقعداً في الانتخابات الحالية.

وبذلك، فإن السؤال لم يعد مرتبطاً بمن تصدر الانتخابات، بعدما حسمت النتائج المؤقتة هذا المعطى لصالح الأصالة والمعاصرة، وإنما بكيفية ترجمة هذا التصدر إلى أغلبية حكومية قادرة على نيل ثقة مجلس النواب.

ويبقى الاستقلال، ثم التجمع الوطني للأحرار، والحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية، كل بحسب موقعه السياسي والعددي، أمام مفاوضات قد ترسم ملامح الحكومة المقبلة.

أما طبيعة التحالف الذي سيختاره «البام»، وما إذا كانت المفاوضات ستقود إلى إعادة إنتاج الائتلاف السابق بصيغة جديدة، أم إلى أغلبية مختلفة، فستحدده المشاورات السياسية والمؤسساتية التي ستنطلق خلال الأيام المقبلة، والتي ستكون كفيلة بالإجابة عن سؤال أساسي: هل تتجه الأغلبية المقبلة نحو إعادة ترتيب التحالف القديم، أم نحو تشكيل تحالف حكومي جديد؟

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.