وكالات

حرب الصواريخ تكشف هشاشة الترسانة الأمريكية وتختبر قدرة إيران على إعادة البناء

صوت العدالة- وكالات

لم تكن حرب الصواريخ بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة عسكرية حول الأهداف والمواقع، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لقدرة كل طرف على إنتاج ما يستهلكه في ساحة المعركة. فبعد أشهر من القتال، بدأت مشكلة الذخائر تفرض نفسها بقوة على الحسابات الأمريكية، في وقت تحاول فيه إيران إعادة تشغيل منظومتها الصاروخية تحت وطأة الضربات والعقوبات.

المفارقة أن الولايات المتحدة، صاحبة أكبر ميزانية دفاعية في العالم، تجد نفسها أمام قيود مرتبطة بسرعة الإنتاج، بينما تمكنت إيران، رغم العقوبات الطويلة، من بناء قاعدة صناعية محلية سمحت لها بإنتاج كميات كبيرة من الصواريخ والمسيّرات.

من «العشاء الأخير» إلى أزمة الإنتاج

تعود جذور المشكلة الأمريكية إلى ما بعد انتهاء الحرب الباردة. ففي يوليو/تموز 1993، جمع وزير الدفاع الأمريكي آنذاك ليس آسبن عدداً من كبار مسؤولي شركات السلاح والطيران في لقاء داخل البنتاغون عُرف لاحقاً باسم «العشاء الأخير».

كانت الرسالة واضحة: مرحلة الإنفاق العسكري الضخم التي رافقت الحرب الباردة انتهت، وعلى شركات الصناعات الدفاعية أن تتكيف مع واقع جديد يقوم على تقليص الطلب واندماج الشركات.

أطلق نورمان أوغستين، رئيس شركة مارتن مارييتا، على اللقاء اسم «العشاء الأخير»، في تسمية تحولت إلى وصف دقيق لما حدث لاحقاً. فقد اختفت عشرات الأسماء من سوق الصناعات الدفاعية بعدما اندمجت شركات كثيرة في كيانات عملاقة محدودة.

ورغم ارتفاع الإنفاق العسكري الأمريكي خلال حربي العراق وأفغانستان، فإن طبيعة تلك الحروب لم تتطلب إعادة بناء قدرة صناعية مخصصة لحرب تقليدية واسعة النطاق ضد قوة عسكرية كبرى.

وبحلول السنوات الأخيرة، أصبح التركّز الصناعي أكثر وضوحاً. ووفق تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية صدر عام 2022، انخفض عدد كبار المتعاقدين في قطاعي الطيران والدفاع من 51 شركة خلال تسعينيات القرن الماضي إلى خمس شركات فقط، فيما تراجع عدد الشركات المنتجة للصواريخ التكتيكية من 13 إلى ثلاث.

وهنا تكمن إحدى مفارقات الحرب الحالية: واشنطن تمتلك قدرات عسكرية هائلة، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة الصناعية على تعويض الاستهلاك بالسرعة نفسها.

عندما يصبح المخزون العسكري عاملاً في القرار السياسي

مع اتساع العمليات ضد إيران، تصاعدت المخاوف من استنزاف مخزونات الصواريخ الأمريكية، خصوصاً صواريخ الدفاع الجوي والهجمات الدقيقة.

وتشير تقديرات وتقارير إعلامية إلى استهلاك كميات كبيرة من صواريخ باتريوت وثاد وتوماهوك، إضافة إلى صواريخ أتاكمز وPrSM.

وفي الرابع من أغسطس/آب، نقلت رويترز عن مصادر مطلعة أن الجيش الأمريكي استهلك تقريباً كامل مخزونه العالمي من أتاكمز وPrSM، إضافة إلى نسبة كبيرة من مخزون توماهوك.

كما قدرت دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن نحو 65 في المئة من صواريخ باتريوت الاعتراضية استُهلكت خلال الفترة الممتدة بين فبراير/شباط ويوليو/تموز، في حين تراجع مخزون صواريخ ثاد بما لا يقل عن 38 في المئة.

أما أرقام نقلتها «وول ستريت جورنال»، فتحدثت عن استخدام نحو 1700 صاروخ باتريوت وأكثر من 200 صاروخ ثاد حتى منتصف يوليو/تموز.

هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها على مواصلة الحرب، لكنها تكشف مشكلة مختلفة: استمرار الحرب بمعدل الاستهلاك نفسه قد يؤثر في قدرة واشنطن على التعامل مع أزمات أخرى في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.

ولهذا يرى جوشوا شفرينسون، أستاذ السياسات الدولية في جامعة ماريلاند، أن وصف الوضع بـ«الأزمة» قد يكون مبكراً، ويفضل الحديث عن «معضلة في الذخائر».

مليارات الدولارات لا تختصر سنوات الإنتاج

تحاول واشنطن معالجة المشكلة عبر ضخ استثمارات ضخمة في قطاع الصناعات الدفاعية.

ففي يوليو/تموز، حصلت لوكهيد مارتن على عقد قد تصل قيمته إلى 58.6 مليار دولار على مدى سبع سنوات لرفع إنتاج صواريخ باتريوت PAC-3 MSE من نحو 600 إلى 2000 صاروخ سنوياً بحلول عام 2030.

كما جرى تخصيص عقد آخر تتجاوز قيمته 35 مليار دولار لرفع إنتاج صواريخ ثاد من 96 إلى 400 صاروخ سنوياً.

لكن المشكلة لا تتعلق بالمال وحده.

الصاروخ الحديث ليس منتجاً يمكن مضاعفة إنتاجه بمجرد ضخ الأموال. وراء كل صاروخ سلسلة طويلة من الموردين والمصانع والعمال والمواد الأولية والرقائق الإلكترونية وأنظمة التوجيه والمحركات.

وفي حال كان أحد هذه المكونات يعتمد على مورد واحد، فإن تعطل ذلك المورد يمكن أن يوقف خط الإنتاج بأكمله.

كما أن توسيع الإنتاج يتطلب إنشاء منشآت جديدة، وشراء معدات، وتوظيف عمال متخصصين وتدريبهم، وهي عمليات تحتاج إلى سنوات.

وبحسب شفرينسون، قد تمر سنة على الأقل قبل أن تبدأ الزيادة في الإنتاج بالظهور بصورة ملموسة، بينما تصل فترات توريد بعض الصواريخ ومكوناتها إلى ما بين 24 و32 شهراً.

وهذا يعني أن الولايات المتحدة تستطيع تخصيص عشرات المليارات من الدولارات اليوم، لكنها لن تحصل بالضرورة على عشرات الآلاف من الصواريخ غداً.

إيران بنت صناعتها تحت ضغط العقوبات

على الجانب الإيراني، اتخذت قصة الصناعات الصاروخية مساراً مختلفاً تماماً.

ففي عهد الشاه محمد رضا بهلوي، كانت إيران من أبرز زبائن الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وتعتمد على الأسلحة والطائرات والأنظمة الغربية.

لكن الثورة الإيرانية عام 1979 قطعت معظم جسور التعاون العسكري مع واشنطن، ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية لتكشف لطهران خطورة الاعتماد على الخارج.

ومع صعوبة الحصول على الأسلحة وقطع الغيار، اتجهت إيران تدريجياً نحو تطوير قدراتها محلياً.

وخلال العقود التالية، استثمرت طهران بكثافة في الصواريخ والمسيّرات، وبرز الحرس الثوري باعتباره أحد أهم مراكز تطوير هذه القدرات.

ويقول جيمس لامسون، الباحث الزائر في كينغز كوليدج لندن، إن إيران أنفقت موارد كبيرة منذ ثمانينيات القرن الماضي على تطوير وإنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، ليس فقط من الناحية النوعية وإنما من حيث القدرة على إنتاجها بكميات كبيرة.

وبمرور الوقت، نشأت شبكة واسعة من المصانع ومراكز الأبحاث والموردين، إلى جانب سلاسل إمداد محلية توفر عدداً كبيراً من المكونات.

لكن إيران ليست مكتفية ذاتياً بالكامل

رغم نجاحها في بناء قاعدة صناعية محلية، لا تزال إيران تعتمد على الخارج في بعض المكونات والتقنيات الحساسة.

وتحتاج برامجها الصاروخية إلى مواد وتقنيات مرتبطة بأنظمة التوجيه، ومحركات الوقود الصلب، والصلب والألمنيوم، وغيرها من المدخلات التي تحصل عليها من الصين وروسيا أو عبر شبكات شراء دولية.

وهنا تتحول العقوبات إلى سلاح مزدوج التأثير.

فهي لا تمنع إيران بالضرورة من إنتاج الصواريخ، لكنها تجعل الحصول على المكونات اللازمة لإعادة بناء القدرات أكثر صعوبة وخطورة.

وبالتالي، فإن توفر المال وحده لا يكفي؛ فالمشكلة تكمن أيضاً في الوصول إلى التكنولوجيا والمواد والموردين.

ماذا بقي من الترسانة الإيرانية بعد الضربات؟

استهدفت الضربات الأمريكية والإسرائيلية مواقع مرتبطة بالصناعة الصاروخية الإيرانية، بما في ذلك منشآت ومراكز إنتاج ومكونات تعد من «نقاط الاختناق» في عملية التصنيع.

لكن معرفة حجم الضرر الحقيقي تبقى صعبة.

فإيران لا تعلن بشكل منتظم حجم مخزونها الصاروخي أو طاقتها الإنتاجية، كما أن جزءاً مهماً من بنيتها العسكرية يوجد تحت الأرض.

ويرى لامسون أن هناك فرقاً بين قياس الضرر المادي وتحديد أثره على القدرة الإنتاجية.

فقد تكون منشأة ما تعرضت لأضرار كبيرة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الإنتاج توقف كلياً.

كما أن وجود مكونات جاهزة ومخزنة في منشآت محصنة يمكن أن يسمح بإعادة تجميع عدد من الصواريخ والمسيّرات حتى قبل إعادة تشغيل المصانع الكبرى.

وبحسب التقديرات، قد تتمكن إيران على المدى القصير من تجميع عشرات، وربما مئات، الصواريخ والمسيّرات اعتماداً على المكونات الموجودة لديها.

لكن هذا الحل مؤقت، لأن استمرار الإنتاج يتطلب في النهاية إعادة تشغيل خطوط التصنيع وتأمين المواد والمكونات.

المعركة الاقتصادية: أربعة ملايين دولار ضد مسيّرة بـ50 ألفاً

ربما تكشف المسيّرات بصورة أوضح طبيعة المعضلة التي تواجه الولايات المتحدة.

فالمسيّرة الإيرانية «شاهد» تقدر كلفتها بعشرات الآلاف من الدولارات، بينما قد تصل كلفة صاروخ باتريوت المستخدم لاعتراضها إلى نحو أربعة ملايين دولار.

وهذا يخلق معادلة اقتصادية صعبة: يمكن لطرف أن يطلق سلاحاً منخفض التكلفة، فيما يضطر الطرف الآخر إلى استخدام منظومة دفاعية باهظة الثمن للتصدي له.

وخلال الأيام الأولى من الحرب، أطلقت إيران أعداداً كبيرة من المسيّرات، ما ساهم في زيادة استهلاك صواريخ الدفاع الجوي الأمريكية.

ولهذا تتجه واشنطن وحلفاؤها إلى تطوير وسائل اعتراض أقل كلفة، مثل الحرب الإلكترونية والليزر والمسيّرات الاعتراضية.

لكن هذه الوسائل لا تستطيع أن تحل محل الصواريخ المتقدمة في كل الظروف، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بصواريخ باليستية سريعة أو أهداف شديدة المناورة.

حرب استنزاف من نوع مختلف

تكشف الحرب الحالية أن التفوق العسكري لا يرتبط فقط بجودة السلاح، وإنما أيضاً بالقدرة على إنتاجه بسرعة وتعويض ما يتم استهلاكه.

الولايات المتحدة تمتلك قاعدة مالية وتكنولوجية وصناعية ضخمة، لكنها تواجه مشكلة في طول سلاسل الإنتاج وارتفاع تكلفة الأنظمة المتقدمة والاعتماد على عدد محدود من الشركات والموردين.

أما إيران، فقد بنت خلال أربعة عقود صناعة صاروخية أكثر اعتماداً على الدولة، وأقل تكلفة في بعض جوانبها، لكنها تظل أكثر تعرضاً للعقوبات والضربات وصعوبات الحصول على التكنولوجيا الأجنبية.

وبينما تحتاج واشنطن إلى سنوات لإعادة بناء بعض مخزوناتها، تستطيع طهران، وفق تقديرات الخبراء، استخدام مخزوناتها من المكونات لإنتاج أسلحة جديدة خلال فترة أقصر.

لكن ذلك لا يعني أن إيران خرجت من الحرب أقوى؛ فمصانعها تعرضت لضربات، وسلاسل توريدها تواجه ضغوطاً متزايدة، واقتصادها يعاني أصلاً من عقوبات واسعة.

في النهاية، تكشف هذه الحرب عن حقيقة ربما لم تكن في صدارة الحسابات العسكرية قبل اندلاعها: في الحروب الحديثة، لا يكفي أن تمتلك أفضل صاروخ؛ الأهم أن تكون قادراً على إنتاجه وتعويضه بالسرعة التي يستهلك بها.

وهذه تحديداً هي المعضلة التي تواجه واشنطن اليوم، فيما تحاول إيران استغلال ميزة مختلفة: أسلحة أقل تكلفة، إنتاج أسرع، ومخزونات موزعة داخل بنية تحتية صممت منذ سنوات لمواجهة حرب طويلة تحت الحصار.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.