من وعود الأمس إلى شعارات اليوم.. ماذا تغيّر في خطاب المرشحين للانتخابات؟
صوت العدالة- عبد السلام اسريفي
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش في المشهد السياسي المغربي: ماذا قدم البرلمانيون الذين كانوا في موقع المسؤولية، وماذا سيقدمون اليوم بعدما عادوا إلى مخاطبة الناخبين بالوعود نفسها تقريباً؟
وأثناء متابعة عدد من البرامج والنقاشات السياسية التي تبثها القناة الثانية وبعض المواقع بمناسبة الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يلفت الانتباه تشابه لافت في الخطاب الانتخابي، سواء لدى أحزاب الأغلبية أو المعارضة. الجميع تقريباً يتحدث عن إصلاح التعليم، وتحسين الخدمات الصحية، وتوفير فرص الشغل، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، ومحاربة التهميش، وتقليص الفوارق بين المناطق والفئات.
والأكثر إثارة للانتباه أن أطرافاً سياسية كانت، إلى وقت قريب، جزءاً من مواقع القرار أو المؤسسات المنتخبة، باتت اليوم تتحدث بالطريقة نفسها التي تتحدث بها المعارضة، فتنتقد الاختلالات وتعدد مظاهر التقصير، وتقدم حزمة من المقترحات والبرامج التي يفترض أن تنقل المواطنين إلى واقع أفضل.
هنا يطرح الناخب سؤالاً مشروعاً وبسيطاً: إذا كانت هذه المشاكل معروفة منذ سنوات، وإذا كانت الحلول المقترحة اليوم معروفة أيضاً، فلماذا لم يتم تنفيذها عندما كان أصحاب هذه الوعود في موقع المسؤولية؟
فالبرلمان ليس مجرد فضاء لإلقاء الخطب وتبادل الاتهامات، وإنما مؤسسة دستورية يفترض أن يكون لها تأثير فعلي في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية. ولذلك، فإن تقييم المرشح لا ينبغي أن يتوقف عند قوة خطابه الانتخابي، بل يتعين أن يمتد إلى حصيلة أدائه خلال الفترة التي قضاها في المؤسسة التشريعية، ومواقفه من القضايا التي كانت تهم دائرته الانتخابية، ومدى دفاعه عن مطالب السكان وانتظاراتهم.
ومن المفارقات التي تثير استغراب عدد من المتابعين أن بعض الوجوه السياسية قضت سنوات طويلة داخل مجلس النواب، بل إن بعضها راكم تجارب برلمانية تمتد لولايات متتالية، ومع ذلك تعود اليوم إلى الناخبين بالحديث عن التغيير وكأنها تخوض تجربتها السياسية الأولى.
والسؤال هنا ليس موجهاً ضد شخص بعينه، ولا ضد حزب دون آخر، وإنما يتعلق بمنطق سياسي أصبح يحتاج إلى مراجعة: هل يكفي أن يقدم المرشح وعوداً جديدة في كل انتخابات، أم ينبغي أن تكون هناك محاسبة سياسية واضحة على ما تحقق وما لم يتحقق خلال الولاية السابقة؟
فالناخب لم يعد يبحث فقط عن خطاب جميل أو برنامج مليء بالعناوين الكبرى. إنه يريد أن يعرف ماذا فعل المنتخب خلال السنوات الماضية، وما هي المبادرات التي تقدم بها، وما هي القضايا التي دافع عنها، وما الذي استطاع تحقيقه فعلياً لفائدة دائرته الانتخابية.
والأمر نفسه ينطبق على الأحزاب السياسية. فمن غير المنطقي أن تقدم الأحزاب برامج انتخابية طموحة، وتتعهد بتحقيق إصلاحات كبرى، ثم تعود بعد سنوات لتشخيص الاختلالات نفسها التي وعدت في السابق بمعالجتها، دون تقديم حصيلة واضحة ومقنعة أمام المواطنين.
الأكثر غرابة أن المتابع لبعض النقاشات السياسية قد يجد نفسه أمام مواقف متقاربة جداً بين الأغلبية والمعارضة؛ فالجميع يقر بوجود اختلالات، والجميع يتحدث عن مناطق تعاني التهميش، وفئات اجتماعية تنتظر الإنصاف، وخدمات عمومية تحتاج إلى التطوير، وفوارق مجالية تستدعي المعالجة.
لكن إذا كان الجميع متفقاً على تشخيص الأزمة، فمن المسؤول إذن عن استمرارها؟
هنا تحديداً تظهر الحاجة إلى الانتقال من سياسة الوعود إلى سياسة الحصيلة، ومن خطاب الانتقاد إلى منطق المسؤولية، ومن استثمار مشاكل المواطنين انتخابياً إلى تقديم حلول قابلة للقياس والتنفيذ.
لقد تغير الناخب المغربي، وأصبح أكثر قدرة على المقارنة بين الخطاب والممارسة، وبين الوعود والنتائج. ولم يعد من السهل إقناعه بأن كل ما لم يتحقق خلال السنوات الماضية يمكن تحقيقه بمجرد إطلاق وعود جديدة في موسم انتخابي جديد.
ولعل النقاش المتزايد حول ضرورة مراجعة منطق الانتخابات لا يتعلق فقط بالقوانين والمساطر، وإنما أيضاً بثقافة العمل السياسي نفسها، وبالحاجة إلى وضع معايير أكثر صرامة لاختيار المرشحين، تقوم على الكفاءة والنزاهة والقدرة على العمل والترافع، وعلى تقييم التجربة السابقة قبل منح فرصة جديدة للمرشح نفسه.
فليس المطلوب إقصاء أصحاب التجربة، بل على العكس، يمكن للتجربة السياسية الطويلة أن تكون قيمة مضافة، شريطة أن تكون مصحوبة بحصيلة حقيقية ومسؤولة. أما أن تتحول طول مدة البقاء في المؤسسة التشريعية إلى امتياز انتخابي دائم، دون أن يكون الناخب قادراً على رؤية أثر تلك السنوات في حياته اليومية وفي تنمية منطقته، فذلك ما يطرح علامات استفهام حقيقية.
الانتخابات، في جوهرها، ليست موسمَ وعود، ولا مناسبة لفتح أبواب الجنة أمام الناخبين بخطابات لا تجد طريقها إلى التنفيذ. إنها قبل كل شيء عقد سياسي وأخلاقي بين المواطن ومن يطلب صوته.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق كل سؤال آخر في هذه الانتخابات ليس: ماذا ستفعلون إذا فزتم؟ وإنما: ماذا فعلتم عندما كانت لديكم الفرصة؟
وبين هذين السؤالين، قد يكون الفارق كبيراً بما يكفي لتمييز من يريد فعلاً خدمة المواطنين، ممن لا يتذكرهم إلا عندما يحين موعد الانتخابات.