آراء وأقلام

الطاقة في خدمة المواطن: نحو شركات جهوية متعددة الاختصاصات لحماية القدرة الشرائية

بقلم: طارق دريوة – فاعل نقابي وسياسي

في ظل الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي الذي تعرفه بلادنا، أصبح من الضروري فتح نقاش وطني جاد حول مستقبل قطاع الطاقة، وعلى رأسه المحروقات، باعتباره من أكثر القطاعات تأثيراً في القدرة الشرائية للمواطنين وفي تكاليف النقل والإنتاج والأسعار بشكل عام.

لقد أبانت تجربة تحرير أسعار المحروقات وإلغاء دعمها المباشر من صندوق المقاصة عن مجموعة من الإشكالات التي لا يمكن تجاهلها. فالمواطن المغربي أصبح يتأثر بشكل مباشر بتقلبات أسعار النفط في الأسواق الدولية، بينما لا يملك دائماً القدرة على فهم أو مراقبة كيفية انعكاس هذه التقلبات على الأسعار داخل السوق الوطنية.

والأخطر من ذلك هو أن استمرار ارتفاع أسعار المحروقات لا يتوقف عند ثمن البنزين والغازوال في محطات الوقود، بل ينتقل إلى مختلف مناحي الحياة اليومية: النقل، المواد الغذائية، الخدمات، الفلاحة، الصناعة، والتجارة. وبالتالي، فإن أي ارتفاع كبير في تكلفة الطاقة يتحول في نهاية المطاف إلى ضغط إضافي على القدرة الشرائية للأسر المغربية.

هل الحل هو العودة إلى الدعم المباشر؟

في تقديري، لا ينبغي أن ينحصر النقاش في العودة إلى النموذج السابق لصندوق المقاصة، وإنما يجب التفكير في حلول هيكلية تُمكّن الدولة من لعب دور أكبر في سوق الطاقة، وتضمن للمواطن الاستقرار والشفافية والمنافسة الحقيقية.

ومن هنا أقترح فتح ورش وطني لإنشاء شركات جهوية متعددة الاختصاصات في مجال الطاقة، تكون الدولة والجماعات الترابية والجهات طرفاً في رأسمالها وتدبيرها، وفق نموذج حديث للحكامة والشفافية والمراقبة.

هذه الشركات يمكن أن تضطلع، حسب خصوصية كل جهة، بتدبير مجموعة من الأنشطة المرتبطة بالطاقة، من بينها توزيع المحروقات، وتطوير الطاقات المتجددة، وإنتاج الكهرباء، وتخزين الطاقة، وتطوير مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، وربطها بالحاجيات الاقتصادية والاجتماعية للجهة.

إننا نتحدث عن مقاربة جديدة للامركزية الاقتصادية، تجعل الجهات شريكاً حقيقياً في الأمن الطاقي للمغرب.

لماذا شركات جهوية؟

لأن الجهة ليست فقط مجالاً إدارياً، بل أصبحت وفق مسار الجهوية المتقدمة فضاءً للتنمية والاستثمار وصناعة القرار الاقتصادي.

وكما اتجهت الدولة إلى إحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات في قطاعات الماء والكهرباء والتطهير السائل، يمكن التفكير في نموذج مماثل أو مكمل في قطاع الطاقة، مع احترام خصوصية هذا القطاع وطبيعته الاستراتيجية.

فالشركة الجهوية للطاقة يمكن أن تكون أداة لتقريب الخدمة من المواطن، وتحقيق قدر أكبر من الشفافية، وتنويع مصادر الطاقة، والاستثمار في الطاقات المتجددة، وربط الإنتاج بالحاجيات المحلية.

كما يمكن أن تساهم هذه الشركات في خلق فرص الشغل والاستثمار داخل الجهات، بدل أن يبقى جزء كبير من القرار الاقتصادي والطاقي مركزاً بعيداً عن المواطن.

المنافسة الحقيقية لا تعني ترك المواطن وحيداً

إن تحرير السوق لا ينبغي أن يعني غياب الدولة.

الدولة الحديثة لا يجب أن تختار دائماً بين الاحتكار العمومي والسوق الحرة، بل يمكنها أن تكون منظماً ومراقباً ومنافساً ومستثمراً في الوقت نفسه عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك.

وإذا كانت هناك شبهات أو معطيات حول وجود ممارسات منافية للمنافسة أو تنسيق بين الفاعلين لتوحيد الأسعار، فإن الأمر يستوجب تطبيق القانون بكل صرامة، وترك المؤسسات المختصة تقوم بواجبها في التحقيق والمراقبة وحماية المنافسة.

فالمواطن ليس معنياً بالصراع بين الشركات، وإنما يعنيه شيء واحد: أن يحصل على الطاقة بسعر عادل وشفاف، وأن لا يتحمل وحده تكلفة تقلبات الأسواق الدولية.

نحو أمن طاقي جهوي

المغرب يمتلك إمكانيات كبيرة في مجال الطاقة الشمسية والريحية، ويمكن للجهات أن تتحول إلى فاعل أساسي في إنتاج جزء من حاجياتها الطاقية.

لماذا لا تستثمر جهة دكالة-عبدة، أو جهة الدار البيضاء-سطات، أو جهة مراكش-آسفي، أو باقي الجهات، في مشاريع طاقة شمسية وريحية مرتبطة بالحاجيات الاقتصادية والاجتماعية لسكانها؟

ولماذا لا يتم التفكير في منظومة جهوية متكاملة تجعل جزءاً من عائدات الطاقة يعود بالنفع مباشرة على التنمية المحلية؟

إن الاستثمار في الطاقة ليس فقط استثماراً اقتصادياً، بل هو استثمار في الأمن الاجتماعي والسيادة الاقتصادية.

المطلوب اليوم رؤية جديدة

إن حماية القدرة الشرائية لا يمكن أن تتم فقط من خلال الزيادات في الأجور أو الدعم الظرفي، لأن ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يلتهم جزءاً كبيراً من أي تحسن في دخل المواطن.

نحن بحاجة إلى سياسة طاقية وطنية جديدة تقوم على ثلاثة مبادئ:

أولاً: حماية المواطن من التقلبات الحادة في الأسعار.

ثانياً: ضمان منافسة حقيقية وشفافة في سوق المحروقات والطاقة.

ثالثاً: إشراك الجهات والجماعات الترابية في الاستثمار والتدبير الطاقي.

إن إنشاء شركات جهوية متعددة الاختصاصات في مجال الطاقة لا يعني إلغاء القطاع الخاص، ولا العودة إلى اقتصاد الدولة، بل يعني بناء توازن جديد بين الدولة والسوق والمواطن.

إن المغرب الذي اختار الجهوية المتقدمة، والذي يعمل على إعادة تنظيم عدد من القطاعات عبر شركات جهوية متعددة الخدمات، قادر كذلك على ابتكار نموذج مغربي في مجال الطاقة يجعل المواطن في قلب السياسات العمومية.

وفي ظل ما تعرفه البلاد من احتقان اجتماعي وارتفاع تكاليف المعيشة، فإن تجاهل ملف الطاقة لم يعد خياراً.

المطلوب اليوم هو أن تنتقل الدولة من سياسة تدبير ارتفاع الأسعار إلى سياسة صناعة الاستقرار الطاقي.

فالمواطن المغربي لا يريد امتيازات، وإنما يريد سوقاً عادلة، ومنافسة حقيقية، وأسعاراً منصفة، ودولةً تحمي قدرته الشرائية.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.