آراء وأقلام

لنرقى بإعلامنا إلى مصاف الإعلام الدولي

بقلم: عبد السلام اسريفي

لم يعد الإعلام في عالم اليوم مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو سرد الوقائع، بل أصبح قوة مؤثرة في صناعة الوعي، وتشكيل الرأي العام، ومواكبة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع. ومن هذا المنطلق، يحق لنا أن نتساءل بصراحة: ألم يحن الوقت لكي نرتقي بإعلامنا المغربي إلى مصاف الإعلام الدولي؟

إن المتتبع للمشهد الإعلامي المغربي، بمختلف مكوناته، سواء تعلق الأمر بالإعلام العمومي أو الخاص، المسموع أو المرئي أو المكتوب أو الإلكتروني، يلاحظ أن جزءاً مهماً من المنتوج الإعلامي ما يزال يراوح مكانه بين نقل الخبر في صورته الجافة، أو إعادة تدوير الأخبار المتداولة، دون الاشتغال بما يكفي على خلفياتها وسياقاتها وآثارها على المواطن والمجتمع.

فكم من قضية وطنية بالغة الأهمية مرت على شاشاتنا ومواقعنا في دقائق معدودة، بصورة أو تصريح مقتضب، ثم اختفت من المشهد، رغم أنها كانت تستحق تحقيقاً معمقاً، أو روبورتاجاً ميدانياً، أو نقاشاً يشارك فيه المختصون وأصحاب القرار والمواطنون المعنيون.

المشكلة ليست في الخبر في حد ذاته، وإنما في كيفية تقديمه. فالإعلام المهني لا يكتفي بأن يقول للمواطن ماذا حدث، وإنما يسعى إلى الإجابة عن أسئلة أعمق: لماذا حدث؟ كيف حدث؟ من المتضرر؟ من المستفيد؟ وما هي الحلول الممكنة؟

أما الإعلام الإلكتروني، الذي كان يفترض أن يشكل ثورة حقيقية في طريقة إنتاج واستهلاك المعلومة، فقد تحول لدى بعض المنابر إلى سباق محموم وراء المشاهدات والنقرات وعدد المتابعين. وأصبحت بعض القضايا الهامشية، والمواضيع المثيرة، والعناوين الصادمة، تحظى بمساحة أكبر من الملفات التي تمس حياة المواطن اليومية ومستقبله.

ولا يعني هذا أن الترفيه أو الأخبار الخفيفة لا مكان لها في الإعلام، فهي جزء من المشهد الإعلامي، لكن الخطورة تبدأ عندما تصبح الأرقام معياراً وحيداً للنجاح، وتصبح القيمة المعرفية للخبر في آخر سلم الأولويات.

إن المواطن المغربي اليوم لم يعد يبحث فقط عن المعلومة، بل يبحث عن معلومة موثوقة، دقيقة، مفهومة وذات قيمة. يريد أن يعرف ماذا يحدث في التعليم والصحة والنقل والشغل والاقتصاد والعدالة والإدارة والبيئة، ويريد أن يفهم تأثير القرارات والسياسات العمومية على حياته اليومية.

وهنا تبرز مسؤولية الإعلام.

فالإعلام القوي ليس هو الذي ينشر مئات الأخبار في اليوم، وإنما الذي يستطيع أن يقدم للقارئ أو المشاهد خبراً واحداً يستحق القراءة، لأنه يضيف إليه معرفة جديدة، أو يكشف حقيقة، أو يفتح نقاشاً، أو يضع قضية وطنية في سياقها الصحيح.

ولكي نرتقي بإعلامنا، نحتاج قبل كل شيء إلى الاستثمار في الصحفي والمنتج الإعلامي. نحتاج إلى صحافة التحقيق، والصحافة الاستقصائية، والروبورتاجات الميدانية، والتحليل المبني على المعطيات، واستضافة الخبراء والمتخصصين، والعودة إلى المصادر الأصلية بدل الاكتفاء بنقل ما نشرته منابر أخرى.

كما نحتاج إلى إعلام يقترب أكثر من المواطن، لا أن يكتفي بتغطية المؤتمرات والندوات والتصريحات الرسمية. فهناك في القرى والمدن والأحياء والأسواق والمحاكم والمستشفيات والمدارس آلاف القصص الإنسانية والاجتماعية التي تستحق أن تُروى بمهنية وعمق.

إن قوة الإعلام الدولي لا تكمن فقط في الإمكانيات التقنية التي يتوفر عليها، وإنما في منهجية العمل: البحث، والتحقق، والاستقلالية، والسرعة دون التسرع، والعمق دون تعقيد، والقدرة على تحويل القضية المحلية إلى موضوع ذي قيمة وطنية ودولية.

وفي المقابل، فإن السعي وراء “الترند” لا ينبغي أن يكون هدفاً في حد ذاته. فالترند قد يصنع ملايين المشاهدات خلال ساعات، لكنه لا يصنع بالضرورة إعلاماً قوياً أو ذا مصداقية.

الإعلام الحقيقي هو الذي يبقى أثره بعد انتهاء الخبر.

نحن اليوم في حاجة إلى إعلام مغربي يواكب التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب، ويقدم صورة حقيقية عن المجتمع، وينقل انشغالات المواطنين، ويناقش السياسات العمومية، ويكشف مكامن الخلل، ويبرز في الوقت نفسه قصص النجاح والمبادرات الإيجابية.

نحتاج إلى إعلام لا يخاف من طرح الأسئلة، ولا يتردد في فتح الملفات، ولا يحول كل قضية إلى مجرد مادة للاستهلاك السريع.

إن الرقي بالإعلام المغربي ليس مسؤولية الصحفي وحده، ولا مسؤولية المؤسسات الإعلامية وحدها، بل هو مسؤولية مشتركة تشمل الدولة، والمقاولات الإعلامية، والمهنيين، والجامعات، والمجتمع المدني، وحتى المتلقي نفسه.

فكلما طالب الجمهور بمحتوى أفضل وأكثر مهنية، وكلما رفض الاستسهال والإثارة والمعلومة غير الموثوقة، ساهم بدوره في بناء إعلام أقوى.

لقد أصبح المغرب يتطلع إلى لعب أدوار أكبر على المستويين الإقليمي والدولي، ومن الطبيعي أن يواكب هذا الطموح إعلام وطني قادر على المنافسة، ليس فقط من حيث الانتشار، وإنما من حيث الجودة والمهنية والعمق والمصداقية.

لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى إعلام أفضل؟

بل أصبح: متى سنبدأ فعلياً في بناء هذا الإعلام؟

فالوقت لم يعد يسمح بمزيد من التأجيل. والرهان ليس فقط على رفع عدد المشاهدات والمتابعين، وإنما على رفع مستوى الوعي والمعرفة.

آن الأوان لننتقل من إعلام ينقل الخبر إلى إعلام يصنع المعرفة، ومن إعلام يطارد المشاهدة إلى إعلام يصنع التأثير، ومن إعلام يكتفي بوصف الواقع إلى إعلام يساهم في فهمه وتغييره.

آن الأوان، بكل وضوح، لنرقى بإعلامنا المغربي إلى مصاف الإعلام الدولي.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.