آراء وأقلام

هل سينتصر الخطاب السياسي التقليدي على الخطاب السياسي التعاقدي في الاستحقاقات المقبلة(2026) ؟

صوت العدالة…بقلم محمد الموستني

مع كل اقتراب لموعد انتخابي يتجدد النقاش حول طبيعة الخطاب السياسي الذي ستعتمده النخب في معركتها مع الناخب. فبينما تدفع الدولة والمؤسسات والشباب نحو “خطاب تعاقدي” مبني على الأرقام والالتزام والمحاسبة، نجد أن النخب السياسية القديمة لا تزال متشبثة بسلاحها الكلاسيكي: الخطاب التقليدي العاطفي والشعاراتي. هذا التمسك ليس عن جهل بتحولات المجتمع، بل هو خيار استراتيجي محسوب بدقة.

الخطاب التقليدي يقوم على بساطة مريحة للطرفين. وعود عامة لا تلزم أحدا، مثل “سنحسن التعليم وسنوفر الشغل ونحارب الفساد”، مقابل عاطفة وتعبئة وجدانية عبر رموز “أنا ابنكم وأفهم معاناتكم”. هذه الصيغة كانت ناجحة لعقود لأنها لا تفتح باب المساءلة. فغياب الرقم والتاريخ يعني غياب الفشل، وغياب الفشل يعني غياب المحاسبة. كما أنها تحافظ على جوهر العلاقة التي بنت عليها النخب القديمة نفوذها: علاقة الزبونية والوساطة. فبدل أن يكون المواطن صاحب حق أمام مؤسسة، يبقى “محتاجا” لتدخل النائب أو الرئيس لقضاء غرضه، وهنا تكمن قوة النخبة.

في المقابل، يفرض الخطاب التعاقدي منطقا مغايرا تماما. هو التزام محدد بأهداف قابلة للقياس: “تشغيل 15 ألف شاب في الجهة خلال أربع سنوات بميزانية واضحة وتقرير سنوي”. هذا النموذج يشكل تهديدا مباشرا للنخب التقليدية لثلاثة أسباب. أولا لأنه يكشف العجز عن تقديم برامج دقيقة، وثانيا لأنه يربط المسؤولية بالاسم والزمن، وثالثا لأنه يضرب في العمق منطق الريع الذي يغذي استمرارها.

إدراكا لهذا الخطر، لم تواجه النخب القديمة الخطاب التعاقدي بالرفض المباشر، بل اعتمدت أسلوب “التلبيس”. أصبحنا نسمع نفس الوعود التقليدية ولكن مغلفة بمصطلحات جديدة: “في إطار تنزيل النموذج التنموي الجديد” أو “تفعيل أوراش الحماية الاجتماعية”. الهدف هو إرضاء الدولة والإعلام والطبقة المتوسطة في المدن بلغة الأرقام، مع الحفاظ على القاعدة الانتخابية التقليدية في العالم القروي وشبه الحضري بلغة “ولد المنطقة” و”راني منكم”.

لكن هل سينتصر هذا الخطاب في الاستحقاقات المقبلة؟ الجواب مرتبط بميزان القوى بين طرفين. فالخطاب التقليدي لا يزال يملك أرضية صلبة. ففي العديد من الدوائر الانتخابية لا تزال شبكة العلاقات الشخصية والحضور الاجتماعي والمال السياسي أهم من أي برنامج حكومي. كما أن تكلفة إنتاج خطاب تعاقدي حقيقي عالية: تحتاج خبراء ودراسات وشجاعة لمواجهة الفشل.

ومع ذلك، فالمتغيرات الجديدة تجعل الانتصار الكامل للخطاب التقليدي صعبا. المواطن لم يعد كما كان، خصوصا الشباب الذي صار يسأل “بشحال وفينتا” بعد أن فضحت منصات التواصل الوعود الكاذبة. والدولة نفسها صارت تفرض لغة الأرقام من خلال مشاريع كبرى وتتبع للمؤشرات. لذلك من المرجح أن نرى في الاستحقاقات المقبلة شكلا هجينا: خطاب شكله تعاقدي ومضمونه تقليدي.

الخلاصة أن الاستحقاقات المقبلة لن تكون نهاية الخطاب التقليدي، ولكنها ستكون اختباره الأصعب. فمن لم يستطع أن يقدم “عقدا” إلى جانب “الوعد” سيجد نفسه خارج اللعبة تدريجيا. المعركة القادمة إذن ليست بين أحزاب فقط، بل بين منطقين: منطق يقول “ثق في” ومنطق يقول “ها العقد”. والصندوق وحده هو من سيحدد أيهما أقدر على إقناع الناخب المغربي اليوم.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.