أخبار وطنية

بين حكمة بلقيس وفكر ابن القيم: رؤية معاصرة لإصلاح السياسة الجنائية


بقلم: وليد مشتكي / باحث في السياسة الجنائية والتحول الرقمي، ومبتكر الفقه المستقبلي

صوت العدالة: مكتب مراكش

تواجه منظومة العدالة الجنائية اليوم مأزقاً هيكلياً عميقاً، يغذيه الارتماء الأعمى في أحضان مقاربات ونظريات وضعية مستوردة، أثبتت عقمها المطلق في بيئتنا لكونها نتاج سياقات فلسفية واجتماعية مغايرة تماماً لخصوصيتنا. إن هذا الانغماس الحكومي في تبني قوالب تشريعية جاهزة لم يؤهل المنظومة لتحقيق الأمن المجتمعي، بل أنتج تضخماً عقابياً عاجزاً عن كبح الجريمة، بل وفاشلاً في استيعاب طفرات التحول الرقمي وما يرافقه من خوارزميات السلوك البشري الجديد.
أمام هذا الواقع المؤلم الذي يدمي قلب كل غيور على وطنه، وتدفعنا الحرقة والدموع على ما وصل إليه حال بلادنا إلى صياغة بدائل حقيقية، لا بد للحكومة أن تستمع لصوت ” الفقه المستقبلي “. إن الفقه المستقبلي الذي نؤسس له لا ينظر إلى الحاضر كقيد، بل يتجاوز قشوره المأزومة ليعيد إنتاج “الماضي كحكمة لامتناهية” وتوظيفها بآليات استشرافية تصنع “المستقبل الآن”، تحت المظلة الحامية والناظمة لمؤسسة إمارة المؤمنين.
ولإعادة ضبط بوصلة القرار، يقدم لنا التاريخ مرجعيتين تتكاملان في بناء فلسفة الحكم والعدالة الجنائية الاستباقية: التدبير السياسي الحكيم للملكة بلقيس، والعمق المقاصدي للإمام ابن القيم.

أولاً: حكامة بالقيس القيادة النسائية الاستشرافية وعقم التبعية

إن القصة القرآنية للملكة بلقيس -ملكة سبأ- تتجاوز حدود السرد التاريخي لتقدم نموذجاً تدبيرياً في غاية الحداثة والذكاء الاستراتيجي. فعندما واجهت مملكتها تهديداً مصيرياً، لم تنفرد بالقرار ولم تتبع حلولاً معلبة، بل قالت كلمتها الخالدة: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ}.
إن إسقاط هذا النموذج على الحاضر يضع الحكومة أمام مرآة مسؤوليتها التاريخية:

  • عقم الأفكار الدخيلة: لقد أدركت بلقيس أن قوة الدولة تكمن في ذكائها الجماعي النابع من هويتها، وليس في الجري وراء مظاهر خارجية أو إملاءات لم تؤهل الإدارة للنجاح.
  • القيادة التدبيرية للمرأة في الحكومة الحالية: إن وجود المرأة اليوم في مفاصل الحكومة المغربية يجب ألا يكون مجرد تأثيث للمشهد أو تبنٍ لأجندات مستوردة، بل يجب أن يستلهم من بلقيس تلك الحكمة؛ قيادة تعتمد على الشورى، وتغلب الحلول الوقائية الاستباقية، وتستعمل “الذكاء العاطفي والاجتماعي” لحماية السلم المجتمعي، بدلاً من الركض وراء المقاربات العقابية الجافة والمواجهة الردعية التي تعيد إنتاج الأزمات.

ثانياً: الفقه المستقبلي والرقمي كأداة لتفكيك الجريمة وتأمين الوجدان

يرتبط إرث بلقيس بفكر ابن القيم في نقطة جوهرية يرتكز عليها “الفقه المستقبلي”: القدرة على استباق مسببات الأزمات وتأمين البيئة النفسية والمادية للمجتمع قبل وقوع الجريمة. في عصر التحول الرقمي، لا يمكن للسياسة الجنائية أن تظل مجرد أداة عقابية “تقليدية” لاحقة للفعل؛ بل يجب أن تتحول إلى “منظومة وقائية خوارزمية” تحمي الإنسان وتستوعب سلوكه الرقمي والواقعي معاً.
حين تنكب الحكومة في مقاربات مادية صرفة، فإنها تخلق حالة من القلق الجمعي وعدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، مما يرفع من معدلات الجنوح. وهنا يسقط الفقه المستقبلي رؤية ابن القيم على واجبات الإدارة التنفيذية من خلال محورين:

  1. إصلاح الحاضر برفع “الهم الاقتصادي والاجتماعي”: إن الجريمة في عمقها نتاج لخلل في الطمأنينة. عندما تُسقط الحكومة مفهوم “كفاية الرزق” عبر سياسات اقتصادية عادلة ومحاربة الفساد والريع، فإنها ترفع عن كاهل المواطن “هم العيش” الذي يدفع للجنوح. الأمن الجنائي يُطبخ في حاضنة الكرامة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص الرقمية والواقعية قبل أن يصل إلى ردهات المحاكم.
  2. العدالة الاستباقية -الماضي حكمة والمستقبل الآن-: إن تراثنا يزخر بآليات “العدالة التصالحية”، الصلح، والوازع التربوي. الفقه المستقبلي يدمج هذه الحكمة التاريخية مع أدوات العصر الرقمي لإنشاء “منظومة رصد وقائي” تحصن المجتمع قيمياً ونفسياً، وتوفر الاكتفاء الذاتي والأمن المجتمعي الشامل، تماشياً مع قاعدة “من أرضى الله كفاه وأغناك”.

ثالثاً: إمارة المؤمنين.. صمام الأمان والامتداد الزمني للامتناهي

إن الجسر الرابط بين الماضي حكمة بلقيس ، والحاضر -مسؤولية الحكومة وأجهزته -، والمستقبل – المجتمع الرقمي والواقعي الآمن المستقر تجسد حصراً في مؤسسة إمارة المؤمنين.
هذه المؤسسة الدستورية والروحية هي الحاضنة لخصوصيتنا الوطنية، وهي التي تفرض على الحكومة أن تتخلص من تشتتها الفكري، وتجعل من “إرضاء الله” — والذي يترجم تدبيرياً في إقامة الحق، والعدل المطلق، ورفع الحرج والظلم عن الرعية — هو الهم الأوحد والمنطلق الأساسي لكل السياسات العمومية والجنائية، بعيداً عن التبعية الأيديولوجية أو الإملاءات العولمية التي تفصل القوانين عن وجدان الشعوب.

خاتمة جامعة:

إن هذه الدموع التي تذرف حرقةً على ما وصلت إليه الأمور في بلادنا لا يجب أن تكون عنواناً لليأس، بل هي الشرارة الروحية والفكرية لثورة بحثية يقودها “الفقه المستقبلي” لتصحيح المسار الحكومي. إن خلاص سياستنا الجنائية وحمايتها من الانفلات يكمن في الشجاعة الفكرية للانعتاق من أسر الأفكار التي لم تؤهلها للنجاح، والبدء في بناء نموذج مغربي أصيل، ذكي، ورقمي.
عندما تلتقي حكمة الشورى والإنقاذ التدبيري للملكة بلقيس مع الفلسفة القيمية الروحية لجهابذة الفكر كالإمام ابن القيم، تمتلك الحكومة الحالية المفاتيح الحقيقية لإنقاذ الموقف والانتقال بالدولة من ضيق الارتباك والتبعية إلى سعة الكفاية والأمن الشامل. ولتتذكر الحكومة دائماً، وهي تضع استراتيجياتها للمستقبل، تلك الكلمات العميقة التي تبكي العيون وتطمئن بها القلوب في فلسفة الحكم والتوكل وبناء الأوطان:

“لا تحمل هم الدنيا فإنها لله، ولا تحمل همَّ الرزق فإنه من الله، ولا تحمل هم المستقبل فإنه بيد الله، فقط احمل همًا واحدًا: كيف ترضي الله؟ لأنك لو أرضيت الله، رضي عنك وأرضاك وكفاك وأغناك”.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.