آراء وأقلام

الانتخابات التشريعية 2026..هل هي تجديدا للثقة في تجربة الثلاثي أم مجرد استمرار لقوة تنظيمية وانتخابية لهذه الأحزاب.

صوت العدالة- عبد السلام اسريفي

إذا كان صندوق الاقتراع هو العنوان الأوضح لقياس اتجاهات الناخبين، فإن نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2026 تقدم قراءة لافتة للمشهد السياسي المغربي؛ فالأحزاب الثلاثة التي شكلت العمود الفقري للحكومة السابقة، وهي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، عادت لتحتل المراتب الثلاث الأولى، وإن بتغيير واضح في ترتيبها.

ففي انتخابات 2021، تصدر التجمع الوطني للأحرار النتائج بـ102 مقعداً، متبوعاً بالأصالة والمعاصرة بـ86 مقعداً، ثم الاستقلال بـ81 مقعداً. وبعد خمس سنوات، انقلب الترتيب في القمة، حيث حل حزب الأصالة والمعاصرة أولاً بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً.

هذا التحول في الترتيب لا يخفي، في المقابل، حقيقة سياسية أكثر أهمية، وهي أن الأحزاب الثلاثة نفسها حافظت على موقعها في مقدمة الخريطة الانتخابية. وهو ما يسمح بقراءة مفادها أن جزءاً مهماً من الناخبين لم يتجه إلى إحداث قطيعة كاملة مع مكونات الأغلبية السابقة، وإنما اختار إعادة توزيع الثقة بينها.

من قيادة التجمع إلى صدارة البام

التحول الأبرز يتمثل في انتقال حزب الأصالة والمعاصرة من المرتبة الثانية سنة 2021 إلى المرتبة الأولى في انتخابات 2026، في مقابل تراجع التجمع الوطني للأحرار من الصدارة إلى المرتبة الثانية.

وبذلك، يكون الناخب قد أعاد ترتيب أوراق الأغلبية السابقة أكثر مما أعاد رسم الخريطة السياسية من خارجها. فالحزب الذي قاد الحكومة خلال الولاية الماضية لم يعد في مقدمة الترتيب، بينما صعد شريكه الحكومي إلى موقع القيادة الانتخابية.

وهنا تبرز دلالة سياسية مهمة: الناخب المغربي لم يمنح شيكاً على بياض لأي حزب من الأحزاب الثلاثة، لكنه أبقى الثقة الانتخابية مركزة داخل الدائرة السياسية نفسها، مع تغيير في الأحجام والمواقع.

هل يتعلق الأمر بتصويت على تجربة حكومية؟

من الصعب اعتبار نتائج الانتخابات استفتاءً مباشراً على أداء الحكومة السابقة، لأن دوافع التصويت متعددة، وتتداخل فيها الاعتبارات المحلية والمرشحون والروابط الانتخابية والبرامج والقضايا الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن خصوصية كل دائرة انتخابية.

لكن استمرار الأحزاب الثلاثة في احتلال المراتب الأولى يطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى نجاحها في الحفاظ على قاعدتها الانتخابية، رغم الانتقادات التي رافقت الولاية الحكومية السابقة.

فالنتيجة الإجمالية توحي بأن الناخبين لم يعاقبوا مكونات الأغلبية السابقة بشكل جماعي، وإنما مارسوا نوعاً من إعادة التوازن بينها. وهذا ما يجعل قراءة انتخابات 2026 مختلفة عن سيناريو القطيعة الانتخابية الشاملة.

تراجع الأحرار.. صعود البام.. وثبات الاستقلال

التجمع الوطني للأحرار يواجه في هذه النتائج المعادلة الأصعب؛ فانتقاله من 102 مقعداً إلى 66 مقعداً يمثل تراجعاً انتخابياً كبيراً مقارنة بنتيجة 2021، رغم احتفاظه بالمرتبة الثانية.

في المقابل، نجح الأصالة والمعاصرة في رفع رصيده من 86 إلى 97 مقعداً، ليصبح القوة الانتخابية الأولى داخل مجلس النواب.

أما حزب الاستقلال، فقد حافظ تقريباً على موقعه، بعدما انتقل من 81 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 65 مقعداً في 2026، ليستقر في المرتبة الثالثة.

وبذلك، فإن القاسم المشترك بين نتائج الاستحقاقين هو استمرار الثلاثي في مقدمة المشهد، بينما الاختلاف الأساسي يكمن في حجم كل حزب وترتيبه.

حكومة المنصوري أمام معادلة جديدة

إذا كانت نتائج الصندوق قد منحت الأصالة والمعاصرة موقع الصدارة، فإن تشكيل الحكومة المقبلة سيكون اختباراً آخر مختلفاً عن الاختبار الانتخابي.

فالفوز بالمرتبة الأولى لا يعني تلقائياً تشكيل الحكومة، وإنما يفتح الباب أمام مشاورات سياسية معقدة حول التحالفات والبرامج وتوزيع المسؤوليات.

ومن هنا، فإن السؤال لم يعد فقط: من تصدر الانتخابات؟ وإنما أيضاً: من يستطيع تحويل الصدارة الانتخابية إلى أغلبية حكومية متماسكة؟

وإذا اختار التجمع الوطني للأحرار عدم المشاركة في الحكومة المقبلة، أو جرى استبعاده من تركيبتها، فإن المشهد سيأخذ منحى أكثر تعقيداً، لأن ذلك سيعني أن نتائج الصندوق أعادت ترتيب مكونات المشهد، بينما ستعيد المفاوضات السياسية تشكيل خريطة التحالفات.

الصندوق قال كلمته.. والمفاوضات تقول الكلمة التالية

القراءة الأبرز لانتخابات 2026، وفق منطق الأرقام، هي أن الناخب المغربي لم يُخرج الثلاثي الذي قاد الحكومة السابقة من دائرة المنافسة، بل أعاد ترتيب مواقعه.

فالأصالة والمعاصرة انتقل إلى الصدارة، والتجمع الوطني للأحرار تراجع إلى المرتبة الثانية، بينما احتفظ الاستقلال بالمركز الثالث. وبينما تبدلت الأرقام، بقيت الأحزاب نفسها في قلب المشهد.

وهذا يعني أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد بحث عن رئيس حكومة أو توزيع للحقائب الوزارية، بل ستكون اختباراً لقدرة الأحزاب الثلاثة، ومعها باقي القوى السياسية، على فهم الرسالة الانتخابية وتحويلها إلى مشروع حكومي قادر على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.

فإذا كان الناخب قد اختار تغيير الترتيب، فإنه لم يغيّر بالكامل عنوان المشهد. أما ما إذا كان هذا الأمر يمثل تجديداً للثقة في تجربة الثلاثي أم مجرد استمرار لقوة تنظيمية وانتخابية لهذه الأحزاب، فذلك يبقى سؤالاً مفتوحاً، ستجيب عنه طبيعة الحكومة المقبلة وأداؤها خلال السنوات القادمة.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.