المغاربة ينتظرون أن تنجح رئيسة الحكومة في كسر قاعدة حكومات الرجال بمقاربة راديكالية جديدة..
محمد الموستني:صوت العدالة
أفرزت الانتخابات التشريعية الأخيرة حدثا غير مسبوق في الحياة السياسية الوطنية، بوصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لأول مرة في تاريخ المغرب وهو حدث يتجاوز في دلالته مجرد التناوب الحزبي، ليطرح سؤالا مجتمعيا كبيرا وعميقا حول طبيعة التغيير المنتظر، وهل يكفي تغيير جنس رئيس الحكومة لتغيير فلسفة الحكم ؟
لقد تعاقبت على تدبير الشأن العام حكومات يقودها رجال، اختلفت مرجعياتها من إسلامية إلى تكنوقراطية ليبرالية، لكنها اشتركت في نفس المآلات. ارتفاع تكلفة المعيشة، وتراجع المدرسة والمستشفى العموميين، وتوسع الفوارق المجالية، مع شعور عام لدى المواطن بأن القرارات الكبرى تتخذ بعيدا عن انتظاراتهم . لذلك فإن الرهان اليوم ليس على كون رئيسة الحكومة امرأة، بل على قدرتها على القطع مع هذه المقاربة التي أصبحت بنيوية.
إن التحدي الذي يواجه التجربة الجديدة ليس تحدي إثبات الذات في وجه الرجل، فتلك معركة هامشية لا تهم المواطن البسيط. التحدي الحقيقي هو تحدي اجتماعي بامتياز. هل ستستطيع الحكومة الجديدة إعادة ترتيب أولويات الميزانية لصالح الحماية الاجتماعية الفعلية، وهل ستملك الجرأة لفرض عدالة ضريبية حقيقية يتحمل فيها من يربح أكثر العبء الأكبر، وهل ستعيد الاعتبار للقطاعات التي تمس حياة المغاربة اليومية بشكل مباشر وعلى رأسها التعليم والصحة والتشغيل.
إن الراديكالية التي ينتظرها الشارع اليوم ليست راديكالية الشعارات، بل هي الراديكالية بمعناها النبيل، أي العودة إلى جذر المشاكل. والمغاربة لا ينتظرون من رئيسة الحكومة أن تفعل عكس ما فعله الرجال نكاية فيهم، بل ينتظرون منها أن تفعل ما لم يجرؤ الرجال على فعله، وهو الانحياز الواضح للفئات التي طالها التهميش، وتحويل شعارات الدولة الاجتماعية من خطاب للاستهلاك إلى واقع ملموس في القرى والهوامش والأحياء الشعبية. عندها فقط سيتحقق التحدي، وسيذكر التاريخ أن التغيير لم يكن تغيير وجوه، بل كان تغيير مسار.