دراجي يتحدث عن الارتهان للخارج.. فهل تنطبق القاعدة على الجزائر أيضاً؟
صوت العدالة- عبد السلام اسريفي
في تدوينة جديدة، عاد المعلق الرياضي الجزائري حفيظ دراجي إلى ملف العلاقات الدولية، موجهاً انتقادات لمن يرى أنهم يحتمون بالولايات المتحدة وإسرائيل، معتبراً أن «المتغطي بأمريكا وإسرائيل عريان»، وأن الدول الكبرى لا تقدم شيئاً بالمجان، لأن السياسة، في نظره، تقوم على المصالح ولا تعرف صداقات بلا مقابل.
ومن حيث المبدأ، يصعب الاختلاف مع فكرة أن العلاقات الدولية تحكمها المصالح، وأن الدول لا تتحرك في السياسة الخارجية بمنطق الصداقة الشخصية، وإنما وفق حسابات استراتيجية واقتصادية وأمنية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كانت هذه القاعدة صحيحة، فلماذا لا تطبق على الجميع؟
فالجزائر نفسها تقيم علاقات استراتيجية واقتصادية وأمنية واسعة مع قوى دولية مختلفة، من فرنسا وإيطاليا والصين إلى روسيا وقطر وغيرها. ووجود هذه العلاقات ليس عيباً في حد ذاته، لأن جميع الدول تبحث عن مصالحها، لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول خطاب «الاستقلالية» إلى معيار يُستخدم ضد الآخرين، بينما تُفسَّر العلاقات نفسها عندما تكون الجزائر طرفاً فيها بمنطق مختلف.
كما أن علاقة الجزائر بفرنسا ظلت، منذ الاستقلال، واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً وتشابكاً في المنطقة، رغم الخلافات السياسية المتكررة بين البلدين. وفي الوقت نفسه، أصبحت إيطاليا شريكاً مهماً للجزائر في مجال الطاقة، بينما تعد الصين من أبرز الشركاء الاقتصاديين للجزائر. وهذا يؤكد ببساطة أن الجزائر، مثل المغرب وباقي دول المنطقة، تتحرك داخل شبكة واسعة من المصالح الدولية، ولا توجد دولة حديثة تعيش خارج هذه التشابكات.
أما في قطاع الطاقة، فإن شركة «سوناطراك» الجزائرية تظل لاعباً رئيسياً في إنتاج وتسويق المحروقات، والجزائر تصدر الغاز إلى عدد من الأسواق الأوروبية، وفي مقدمتها إيطاليا ، وهذا دائما بالرجوع إلى فرنسا ،كما أن أسواق الطاقة الأوروبية نفسها تقوم على عقود ومصالح متبادلة، وليس على علاقات سياسية مجانية.
وإذا كان دراجي يحذر من الارتهان للولايات المتحدة وإسرائيل، فإن السؤال المقابل هو: ماذا عن الارتهان لأي قوة دولية أخرى؟
فالدول التي تبحث عن الحماية أو الشراكة مع روسيا أو الصين أو إيران لا تفعل ذلك خارج منطق المصالح. وموسكو وبكين وطهران، مثل واشنطن وباريس ولندن وغيرها، لها حساباتها الاستراتيجية والاقتصادية. لذلك لا يكفي تغيير اسم الشريك الدولي حتى تصبح العلاقة تلقائياً «استقلالية».
وفي هذا السياق، سبق أن أثارت مواقف دراجي تجاه إيران جدلاً واسعاً، بعدما أعلن في إحدى تدويناته خلال التصعيد الإقليمي عام 2026 موقفاً مؤيداً لإيران في مواجهة ما وصفه بالعدوان، وهو ما نقلته وسائل إعلام عربية وأثار نقاشاً واسعاً حول حدود التعبير السياسي بالنسبة لشخصية إعلامية رياضية.
أما المغرب، فإن علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا لا تعني، في حد ذاتها، أنه «محتمٍ» بهذه الأطراف. فالرباط تتعامل مع هذه القوى من منطلق المصالح المتبادلة، كما تفعل مع الصين وروسيا ودول الخليج وإفريقيا.
والواقع أن الشراكة المغربية الأمريكية موثقة منذ عقود وتشمل الأمن والاقتصاد والاستثمار والتعاون الإقليمي، بينما تصف الولايات المتحدة المغرب بأنه شريك في عدد واسع من الملفات.
كما أن العلاقة المغربية الأوروبية ليست مجرد علاقة تبعية، وإنما شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية. وفي يناير 2026، أكد الاتحاد الأوروبي والمغرب رسمياً رغبتهما في تعميق «الشراكة الاستراتيجية» بينهما في مجالات متعددة، من التجارة والأمن إلى الطاقة والاستثمار والهجرة.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة في خطاب دراجي: إذا كان التعامل مع الولايات المتحدة أو أوروبا أو إسرائيل يعني بالضرورة الارتهان، فماذا نسمي العلاقات التي تقيمها الجزائر مع روسيا والصين وإيطاليا وفرنسا وقطر؟
السياسة الدولية لا تعمل بمنطق «مع من أنت؟»، وإنما بمنطق «ماذا تحقق من هذه العلاقة؟».
المغرب، بدوره، ليس دولة معزولة عن العالم، ولا يدعي ذلك. بل إنه يبني علاقاته الدولية على تعدد الشركاء وتوزيع المصالح. والولايات المتحدة نفسها تصف العلاقة مع المغرب بأنها قائمة على مصالح استراتيجية مشتركة، فيما يؤكد الاتحاد الأوروبي أن شراكته مع المملكة متعددة الأبعاد.
لذلك، فإن القوة الحقيقية للدول لا تقاس بعدد الشعارات التي ترفعها عن السيادة والاستقلال، وإنما بقدرتها على توسيع هامش القرار، وتنويع الشركاء، وحماية مصالحها، وتحويل العلاقات الدولية إلى مكاسب اقتصادية وسياسية وأمنية.
ومن هذه الزاوية، فإن مقولة «لا صداقات مجانية في السياسة» يمكن أن تكون صحيحة بالنسبة إلى الجميع، لا بالنسبة إلى طرف دون آخر.
أما تحويلها إلى سلاح لمهاجمة المغرب، مع تجاهل طبيعة العلاقات الدولية التي تربط الجزائر نفسها بمختلف القوى العالمية، فلن يغير من حقيقة أساسية: في عالم المصالح، لا توجد دولة تعيش وحدها، وإنما توجد دول تعرف كيف تدير مصالحها، ودول تجد نفسها أحياناً مضطرة إلى دفع ثمن أخطاء خياراتها.
ويبقى الحكم في النهاية للأرقام والاتفاقيات والنتائج على أرض الواقع، لا للتدوينات ولا للشعارات.