التربية السياسية هي التي تصنع السياسي الصالح وبدونها لا تمثيلية حقيقية – مقاربة سوسيولوجية
صوت العدالة:محمد الموستني
من منظور علم الاجتماع السياسي، لا يمكن فهم أزمة التمثيلية كأزمة نصوص قانونية أو هندسة انتخابية فقط، بل كأزمة في عملية التنشئة السياسية . فالفاعل السياسي لا يولد سياسيا بالفطرة، ولا يصبح صالحا بمجرد حصوله على تزكية حزبية، بل هو نتاج مسار طويل من التفاعل بين الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمجتمع المدني، يتشكل خلاله ما يسمى بالسياسي، أي منظومة من الاستعدادات الذهنية والقيمية التي توجه سلوكه دون أن يشعر.
تفيد بعض الدراسات الكلاسيكية حول الثقافة السياسية فميزت بين ثلاث أنماط: ثقافة الخضوع، وثقافة التبعية، وثقافة المشاركة. والملاحظ سوسيولوجيا أن جزءا كبيرا من الممارسة الانتخابية عندنا لا يزال ينتج سياسيين يحملون ثقافة الخضوع والتبعية، يتعاملون مع المنصب كامتياز ريـعي وليس كدور وظيفي في نسق ديمقراطي. فالمترشح الذي لم يخضع لعملية تربية سياسية قائمة على قيم المواطنة والمساءلة والاعتراف بالتعدد، يميل إلى إعادة إنتاج نفس أنماط الزعامة التقليدية: الولاء الشخصي بدل الولاء للمؤسسة، والقرابة والعصبية بدل البرنامج، والخطاب العاطفي بدل الخطاب العقلاني.
ان سوسيولوجيا، التمثيلية ليست تفويضا شكليا يمنح كل خمس سنوات، بل هي علاقة اجتماعية تعاقدية تقوم على ثلاث ركائز: التفويض، والتمثيل، والمحاسبة. وبدون تربية سياسية، يختل هذا المثلث. يتحول التفويض إلى تفويض أعمى، والتمثيل إلى حضور جسدي داخل المؤسسة التشريعية دون تمثيل فعلي لمصالح الفئات الاجتماعية، والمحاسبة إلى مجرد تشهير موسمي. وهنا يظهر مفهوم الاغتراب السياسي عند المواطن، حيث يشعر أن المؤسسة التمثيلية لا تمثله طبقيا وقيميا، حتى وإن كان قد صوت فيها.
كما أن التربية السياسية هي الآلية التي تحول الرأسمال الاجتماعي والرمزي إلى رأسمال سياسي مشروع. فالمترشح الذي يملك المال أو النفوذ العائلي فقط، يملك رأسمالا ماديا لكنه يفتقر إلى الشرعية الرمزية التي تمنحها التربية السياسية، وهي الشرعية القائمة على الكفاءة والنزاهة والقدرة على الترافع. ولهذا نجد أن التمثيلية في غياب التربية السياسية تفرز ما يسميه ماكس فيبر بـ “السياسي الذي يعيش من السياسة” وليس “السياسي الذي يعيش لأجل السياسة”، أي سياسي يعتبر السياسة موردا للعيش والارتقاء الاجتماعي، وليس مجالا لخدمة الصالح العام.
إن بناء سياسي صالح يتطلب إذن استثمارا طويل المدى في مؤسسات التنشئة، وليس فقط في تقنيات الحملات الانتخابية. فالمدرسة التي لا تدرس ثقافة الحوار والاختلاف، والإعلام الذي لا يربي على النقاش العقلاني، والحزب الذي لا يكون مناضليه على ثقافة البرنامج بدل ثقافة الولاء للزعيم، كلها تنتج في النهاية نفس النموذج: سياسي بلا بوصلة قيمية، وتمثيلية بلا روح.
ولهذا، فالرهان السوسيولوجي الحقيقي للانتخابات التشريعية المقبلة ليس في عدد اللوائح أو نسبة المشاركة، بل في سؤال جوهري: هل استطعنا أن ننتج عبر التربية السياسية جيلا من السياسيين يفهم أن التمثيلية ليست امتيازا بل مسؤولية أخلاقية أمام المجتمع والتاريخ؟