القانون الذي يقتل العدالة … تفكيك نخبة المحاماة وإفقار المرتفقين في المغرب.
بقلم: الدكتور عبدالرحيم موهوب.
في لحظة تاريخية فارقة من عمر المغرب الراهن والتي تتقاطع فيها إرادة السلطة بإرادة النخبة القانونية، يتجلى صراع عميق ليس على النصوص وحدها بل على الهوية والمشروعية والوجود، فمنذ أن صدر الأمر بتنفيذ القانون رقم 66.23 في الجريدة الرسمية بتاريخ 20 غشت 2026، لم تكن القضية مجرد تنظيم قانوني لمهنة المحاماة، بل تحولت إلى حلبة مفتوحة لصراع على السلطة والنفوذ والمشروعية، يجسد فيه القانون ذاته أداة لإعادة هندسة العلاقة بين السلطة من جهة وقوى اجتماعية ظلت لعقود تمثل مركزا للنفوذ والثقافة القانونية المستقلة من جهة أخرى.
لقد أظهر استمرار الإضراب رغم صدور النص في الجريدة الرسمية، أن السلطة لم تنجح في اختراق الحصن النقابي سوى بثمانية محامين من أصل ستة آلاف في هيئة الدار البيضاء وحدها، وهي نسبة شبه معدومة تكشف عن صلابة في البنية التضامنية للمهنة وتماسك في الوعي الجماعي لأعضائها، وهذا التماسك يشكل ما يسميه بيير بورديو برأس المال الرمزي الجماعي للمهنة، أي ذلك المخزون من الهيبة والاعتراف والثقة الذي يمنح المحامين سلطة موازية للسلطة السياسية وقدرة على مقاومة الإخضاع.
وكما يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو بأنه حيث توجد سلطة توجد مقاومة، فالمقاومة ليست رد فعل خارجيا على السلطة بل هي جزء من نسيجها ذاته، وتنبت في نقط الاتصال بينها وبين الفاعلين الاجتماعيين، وإن هذا التماسك النقابي الذي يعكس ما وصفه إميل دوركايم بـالتضامن العضوي القائم على التكامل الوظيفي والوعي الجماعي المشترك، هو ما يجعل من الإضراب ظاهرة مستمرة رغم كل الضغوط، وقد أكد الفقيه الحسين الزياني رئيس جمعية هيئات المحامين هذا التماسك عندما نفى وجود أي انقسام داخل الجسم المهني، مؤكدا أن القرارات تتخذ بالإجماع بين الهيئات السبع عشرة المكونة للجمعية.
غير أن الغاية الخفية لهذا القانون في قراءة عميقة للصراع ليست فقط استهداف قوة المحامين كمهنة، بل تتجاوز ذلك إلى استهداف موقعهم كنخبة ثقافية وقانونية تمثل مصدر شرعية موازية، فالمحامون بوصفهم نخبة قانونية يمتلكون القدرة على ترجمة المظالم الاجتماعية إلى خطاب قانوني، وتحويل النزاعات الفردية إلى قضايا عامة، وهو ما يجعلهم خطرا دائما على أي سلطة تسعى إلى الهيمنة، وهذا ما يفسر لماذا لجأت السلطة إلى استراتيجية متعددة المستويات، وذلك عبر تقييد الولوج إلى المهنة برفع العتبة من الإجازة إلى الماستر وتحديد سقف ضيق للملتحقين وإخضاع أموال الودائع لرقابة خارجية تخرق السر المهني، وتضييق هامش الاستقلالية الذاتية للنقابة، وتهديد جمعية هيئات المحامين بالحل،د.
فكل هذه الإجراءات تندرج ضمن ما وصفه غرامشي بـالهيمنة الثقافية، حيث لا تسعى السلطة إلى قمع النخبة بالقوة المادية فقط بل إلى إعادة تشكيل وعيها وبنيتها وأدوارها، بحيث تصبح جزءا من جهاز الهيمنة بدلا من أن تكون قوة مقاومة له، وإن هذا القانون بتقييده لاستقلالية المحاماة وتهديده بتفكيك نقاباتها، إنما يسعى إلى إنتاج نخبة جديدة أكثر ولاء للسلطة وأقل قدرة على ممارسة دورها النقدي في المجتمع، وكما يقول غرامشي في تأمله للمثقف العضوي بأن كل علاقة هيمنة هي علاقة تربوية، تتجلى في قدرة الطبقة المسيطرة على تشكيل وعي الطبقات الأخرى وفق مصالحها، وهو ما ينطبق تماما على ما يجري اليوم.
إن تفكيك الصراع بين السلطة والنخبة القانونية يقتضي العودة إلى ما كتبه غرامشي عن المثقف العضوي والمثقف التقليدي، فالمحامون في هذا السياق يشكلون نموذجا للمثقف التقليدي الذي يمتلك سلطة معرفية مستقلة عن السلطة السياسية، مما يجعله هدفا دائما لأي نظام يسعى إلى احتكار المعرفة والخطاب، والمثقف العضوي الذي تريد السلطة إنتاجه هو ذلك المحامي الذي يخدم مصالحها دون نقاش ويطبق القانون كما تريده لا كما يفهمه هو. وهذا ما يفسر لماذا تستهدف السلطة النقابة ككيان جماعي وليس الأفراد فقط، لأن النقابة هي التي تنتج المثقف التقليدي القادر على المقاومة، وهي التي تصنع رأس المال الرمزي الجماعي الذي يجعل المحامي قويا في مواجهة السلطة.
وكما يقول بورديو في تحليله بأن الحقل القانوني هو ساحة صراع يتبارى فيها الفاعلون على فرض تعريفهم للواقع وللعدالة حيث لا وجود لقانون محايد، بل هناك قانون يخدم مصالح الفاعلين الأقوى في هذا الحقل، والسلطة من خلال هذا القانون تسعى إلى إعادة توزيع رأس المال القانوني داخل الحقل، بحيث تصبح هي المتحكم الأول في قواعد اللعبة والمحدد الوحيد للقوانين التي تحكم هذا الحقل وقد عبر الفقيه الزياني عن هذا البعد العميق حين قال أن جوهر الخلاف لم يكن حول مبدأ الإصلاح، وإنما حول مقتضيات تمس التنظيم الداخلي والهيكلي للمهنة واستقلالها، وتوسع مجالات التدخل الحكومي في شؤونها.
إن إخضاع ودائع المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، وهو من أبرز المقتضيات الخلافية في القانون الجديد، لا يهدف إلى الشفافية بقدر ما يهدف إلى اختراق الحصن المالي للمهنة وكسر استقلاليتها الاقتصادية، وتحويلها من فاعل مستقل إلى فاعل خاضع للمراقبة الدائمة، وكما يقول بورديو فإن السلطة الرمزية هي القدرة على فرض معنى معين للعالم وفرضه كمعنى مشروع وطبيعي، بحيث يقبله الآخرون دون نقاش.
وقد صرح وزير العدل صراحة بعدم ثقته في النقباء معتبرا أن تدخل المجلس الأعلى للحسابات ضروري لحماية أموال المواطنين، وهو خطاب يهدف إلى تحويل الرأي العام ضد المحامين وتجريدهم من مكانتهم الرمزية. وهنا يبرز دور المؤسسات الدولية حيث جاءت مراسلة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، مارغريت ساترثويت في 24 فبراير 2026، لترصد بمنطق قانوني قاطع محاولات فرض وصاية إدارية على مهنة الأصل فيها التنظيم الذاتي ومحذرة من أن مواد التكوين والتقييم ليست سوى محاولة لتحويل فرسان العدالة إلى موظفين ببدلات سوداء ينتظرون الضوء الأخضر من السلطة التنفيذية.
إن خطاب وزير العدل عن فراقشية التشريع والخونة والعملاء في تدوينات بعض المحامين، ثم التلويح بإحالتهم على النيابة العامة بتهم جنائية، يمثل تجسيدا حيا لما وصفه عالم النفس الاجتماعي إرفينغ غوفمان بـشيطنة الخصم حيث يتم تحويل النقاش من مستوى المطالب المهنية العادلة إلى مستوى الاتهامات الأخلاقية، وهذه الاستراتيجية، التي لجأ إليها الوزير في رده على انتقادات المحامين، تهدف إلى إسكات الأصوات المعارضة لا بالحجة والبرهان، بل بالترهيب القضائي والتهديد بالمتابعة الجنائية، وكما يقول الفيلسوف جون ستيوارت ميل فإن إسكات أي رأي هو سرقة للجنس البشري، خاصة عندما يأتي هذا التكميم من وزير العدل الذي يفترض أن يكون حاميا للحقوق لا معتديا عليها.
وقد أكدت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان في مذكرتها الترافعية حول مشروع القانون، الصادرة في 4 فبراير 2026، أن القانون الجديد يخل بمبادئ استقلالية المحاماة، وأنه يحتوي على اختلالات تشريعية جوهرية تتعارض مع المعايير الدولية المتعلقة باستقلالية مهنة المحاماة وحق الدفاع. إن استخدام مثل هذه المغالطات في خطاب رسمي بهذا المستوى يعكس، بحسب ما يحذر منه علماء تحليل الخطاب، أزمة في الخطاب السياسي، حيث يحل التضليل محل الحوار، وتصبح الاتهامات البديل عن الحجج. وكما قال الفيلسوف أرسطو في الخطابة بأنها القوة الحقيقية لأي خطاب تكمن في المنطق والبرهان لا في الترهيب والتهديد.
إن ما تعرض له المحامون في هذا القانون لا يمكن اختزاله في بعض المقتضيات الإجرائية أو المالية، بل هو اعتداء منهجي على دورهم كركيزة أساسية لدولة القانون، فالقانون الجديد يخضع استقلالية المحاماة لوصاية تشريعية جديدة، حيث تفرض رقابة خارجية على حسابات الودائع التي كانت تعتبر جزءا من السر المهني، مما يفتح الباب أمام تدخل السلطة في التفاصيل المالية لعمل المحامي، وهو ما يهدد حياده واستقلاله.
وقد عبرت جمعية هيئات المحامين عن ذلك في بلاغاتها المتعاقبة مؤكدة أن الأزمة لا ترتبط فقط بمضمون القانون، بل أيضا بطريقة إعداده وغياب أي تشاركية حقيقية في مناقشته، وأن القانون الجديد يحمل في طياته مقتضيات تلتف على القيم الكونية للمهنة، وتضيق على حرية المحامي في أداء مهامه، وتمس استقلاله وحصانته، وتضعف المؤسسات المهنية، وتكرس تغول السلطة التنفيذية. وكما يقول الفيلسوف هيغل فإن صراع الاعتراف هو صراع وجودي، والمحامون اليوم يخوضون هذا الصراع دفاعا عن وجودهم كفاعلين مستقلين في المجتمع، وليس كموظفين عموميين يخضعون لأوامر السلطة.
إن غاية هذا القانون في جوهره العميق تتجاوز تنظيم مهنة المحاماة إلى ما هو أبعد، إنها تستهدف النخبة المثقفة التي تمثلها المحاماة، وتعمل على تفتيت قوتها النقابية التي ظلت لعقود تمثل رقما صعبا في المعادلة السياسية، فالمحامون بوصفهم فئة مثقفة ومنظمة ومؤثرة في الرأي العام، يشكلون خطرا على أي سلطة تسعى إلى الهيمنة المطلقة، لأنهم يمتلكون القدرة على ترجمة هموم الناس إلى خطاب قانوني، وتحويل النزاعات الفردية إلى قضايا عامة تمس شرعية النظام، وكما يقول يورغن هابرماس فإن المجال العمومي هو فضاء يتبارى فيه جميع الفاعلين على تقديم تعريفهم للواقع، ومن يمتلك القدرة على فرض تعريفه، يمتلك القدرة على قيادة المجتمع.
ولذلك كان استهداف المحامين، الذين يشكلون واجهة هذا المجال، هو استهداف للمجال العمومي نفسه. وعندما تسعى السلطة إلى إخضاع هذه النخبة وتفكيك مؤسساتها، فإنها تضرب جوهر الديمقراطية وتقوض أسس دولة القانون القائمة على التوازن بين السلطات والفاعلين الاجتماعيين، وقد أشار الفقيه الزياني إلى هذا البعد حين قال أن استقلال المحاماة ليس مسافة من الدولة، وإنما ضمانة داخل الدولة، مضيفا أن المواطن في هذه الحالات لا يحتاج فقط إلى من يعرف القانون، وإنما إلى من يستطيع أن يوقعه بحرية.
إن فرض شروط تعجيزية للولوج إلى المهنة، حيث تم رفع العتبة من الإجازة إلى الماستر وتحديد سقف ضيق للملتحقين، لا يخدم جودة العدالة بقدر ما يكرس ندرة الخدمة القانونية، مما سيرفع الأتعاب ويجعل العدالة سلعة فاخرة لا يقدر عليها المواطن العادي. وهذه الآلية تتسق مع ما وصفه غرامشي بـهندسة الموافقة، حيث تعمل السلطة على إعادة إنتاج نخبة قانونية أكثر انسجاما مع رؤيتها، وأقل قدرة على تشكيل رأي عام ناقد، وكما يقول ماكس فيبر فإن السلطة هي احتمال فرض الإرادة داخل علاقة اجتماعية، حتى في مواجهة المقاومة، أيا كان أساس هذا الاحتمال.
لكن فرض الإرادة إذا لم يقترن بالشرعية يتحول إلى مجرد قوة، والقوة وحدها لا تصنع قانونا مستداما، وإن إضعاف المحاماة في هذا السياق لا يضر بالمدافعين عن الحقوق فقط، بل يضر أولئك الذين يفترض أن القانون يحميهم، والذين لن يجدوا من يرفع صوتهم في مواجهة السلطة أو الظلم، وكما قال الفيلسوف جون رولز فإن العدالة هي الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية، كما أن الحقيقة هي الفضيلة الأولى لأنظمة الفكر، فإذا كانت مؤسسة العدالة لا تقدم خدمة عادلة للجميع، فإنها تخون وظيفتها الأولى، وقد تجلى هذا الضرر بشكل ملموس في مشاهد المحاكم التي خلت من المحامين، حيث وقفت أمهات وزوجات المتهمين يبكين تأجيل الجلسات، وصرخ رضيع في بهو محكمة الاستئناف بالدار البيضاء وكأنه يحتج على غياب من يدافع عن أبيه.
إن الحركة الاحتجاجية التي يخوضها المحامون، في ضوء نظرية فرصة الحركة التي طورها علماء الاجتماع السياسي، تنطوي على عدة عوامل تجعلها ممكنة ومستمرة، ومنها وجود تنظيم قوي (النقابة)، ووجود قيادة قادرة على التعبئة، ووجود هوية جماعية واضحة، ووجود حاضنة اجتماعية متفهمة. وهذه العوامل مجتمعة هي التي تجعل من الإضراب ظاهرة مستمرة رغم صدور القانون، ورغم الضغوط التي تمارسها السلطة، وكما يقول شارل تيلي في تحليله للحركات الاجتماعية فإن الحركة الاجتماعية هي سلسلة متواصلة من التفاعلات بين المطالبين بالسلطة وأولئك الذين يمارسونها.
فالمحامون في هذا السياق يخوضون ما يمكن تسميته بالحركة الاجتماعية المستدامة التي تعتمد على التراكم التنظيمي، والتعبئة المستمرة والضغط على السلطة عبر وسائل متعددة، وإن استمرار الإضراب رغم صدور القانون هو دليل على أن السلطة لم تنجح في كسر إرادة النخبة القانونية، وأن هذه النخبة لا تزال تمتلك من القدرة على المقاومة ما يجعلها فاعلا لا يمكن تجاهله في أي معادلة سياسية مستقبلية، وقد أكدت فيدرالية جمعيات المحامين الشباب هذا التوجه بدعوتها إلى التصعيد مع المحافظة على وحدة الصف المهني، معتبرة أن من يراهن على خفوت جذوة النضال المتقدة في الجسم المهني، يعتمد في قراءته وحساباته، بالأساس، على فرض الأمر الواقع بعد نشر القانون في الجريدة الرسمية.
إن ما يحدث في المغرب اليوم ليس مجرد أزمة قانونية عابرة، بل هو اختبار تاريخي لمدى قدرة السلطة على تدبير الاختلاف، ومدى قدرة المجتمع على الدفاع عن استقلالية مؤسساته المهنية، وإن القانون رقم 66.23 رغم نشره في الجريدة الرسمية لن يستطيع أن يمحو صراعا اجتماعيا عميقا حول الهوية والاستقلالية والكرامة.
والمحامون بصمودهم واستمرارهم في الإضراب، يثبتون أن النخبة القانونية في المغرب ليست فئة قابلة للتفكيك السهل، وأنها تمتلك من الوعي الجماعي ومن التماسك المهني ما يجعلها قادرة على مقاومة أي محاولة لإخضاعها، وكما قيل فإذا أُصيبت في مقتل من مهنتك، فلا تظن أنك تستطيع النجاة وحدك، لأن الجسد الواحد إذا تداعى، تداعى كله، فمعركة المحاماة اليوم ليست معركة فئة، بل معركة كل مواطن يريد أن يجد من يدافع عنه، ومعركة كل مجتمع يريد أن تكون فيه العدالة لا سلعة، والقانون لا سيفاً على الضعفاء.
ويبقى السؤال الأعمق الذي طرحه الفقيه الحسين الزياني في ختام ندوة الجمعية، معلقا في فضاء الصراع وهو: هل تستطيع المؤسسات أن تختبر قدرتها على تدبير الاختلاف عندما يكون الطرف المعترض جزءا منها؟، إن الإجابة على هذا السؤال في نظر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس تكمن في جوهر الديمقراطية ذاتها، حيث يقول أن الديمقراطية ليست فقط حكم الأغلبية، بل هي أيضا حماية حقوق الأقليات، وضمان حق الاختلاف، واعتراف متبادل بين الفاعلين الاجتماعيين.
وإذا كانت السلطة في المغرب تريد أن تثبت شرعيتها الديمقراطية، فعليها أن تدرك أن استقلال المحاماة ليس تحديا لها بل هو ضمانة لوجودها، وأن المحامي الذي يخاف على حريته هو المحامي الذي يدافع عن حرية المواطن، وأن القانون الذي يصادر استقلالية الدفاع هو القانون الذي يفتح الباب أمام كل أشكال الاستبداد.