آراء وأقلام

هل غياب التربية الدامجة في البادية خرق للقانون الاطار51.17 أم مجرد نقص في الخدمات؟

صوت العدالة:محمد الموستني

منذ صدور القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي سنة 2019، أصبحت “التربية الدامجة” التزاما وطنيا وليست خيارا. نص القانون على أن التعليم حق لكل مواطن، وأن الدولة تلتزم بتوفير الظروف الملائمة لتمدرس الأطفال في وضعية إعاقة، عبر إحداث مسالك دراسية ملائمة وأقسام للدمج ومراكز متخصصة وتوفير النقل المجهز والتجهيزات المساعدة وتكوين الأطر. ست سنوات بعد ذلك، يطرح الواقع سؤالا مركزيا: إلى أي مدى تم تنزيل هذا الالتزام على امتداد التراب الوطني؟ وهل الفجوات المسجلة اليوم هي نقص في الخدمات يمكن تداركه، أم امتناع عن تنفيذ مقتضيات قانونية واضحة؟

الصورة العامة تكشف عن تقدم نسبي في الوسط الحضري وفراغ واضح في الوسط القروي وشبه الحضري. فأغلب أقسام الدمج المدرسي والمراكز المتخصصة تتركز في المدن الكبرى وعواصم الجهات، حيث تتوفر البنيات التحتية والجمعيات الشريكة والأطر شبه الطبية. هناك تجد مدارس مجهزة بحجرات دمج، وتلاميذ يستفيدون من مواكبة، وأسر تجد على الأقل إطارا مؤسساتيا تلجأ إليه. أما في الجماعات القروية والمناطق الجبلية والنائية في مختلف جهات المملكة، فالوضع مختلف. المسافات بعيدة، والنقل المدرسي المجهز شبه غائب، والولوجيات داخل المؤسسات التعليمية محدودة جدا، وعدد الأطر الذين تلقوا تكوينا في بيداغوجيا الدمج لا يغطي الحاجيات. النتيجة أن عددا كبيرا من الأطفال في وضعية إعاقة إما خارج المدرسة، أو مسجلين حضورا شكليا في أقسام عادية مكتظة دون دعم بيداغوجي حقيقي.

هذا التفاوت المجالي يطرح إشكالا قانونيا مباشرا. القانون الإطار استعمل صيغة الإلزام “تلتزم الدولة” في أربع مواد أساسية تتعلق بالتربية الدامجة. المادة الأولى تؤكد أن التعليم حق للجميع دون تمييز. المادة 33 تلزم بتوفير الظروف الملائمة للتمدرس الدامج. المادة 34 تفصل الوسائل: برامج خاصة، مسالك ملائمة، أقسام دمج، مراكز، نقل مجهز، تجهيزات. والمادة 35 تلزم بتكوين الأطر. لغويا وقانونيا، الالتزام لا يعلق على شرط جغرافي ولا على توفر اعتمادات مرحلية. وعليه، فإن غياب قسم دمج في جماعة قروية بأكملها، أو انعدام نقل مدرسي مجهز، أو غياب أي تكوين للأستاذ الذي يستقبل تلميذا في وضعية خاصة، يعد عدم تنفيذ لمقتضى قانوني صريح.

في المقابل، يمكن القول إن الدولة انخرطت في تنزيل القانون عبر مذكرات تنظيمية ومخطط وطني وشراكات مع المجتمع المدني، وأن هناك مجهودات لإحداث أقسام جديدة وتكوين أطر. وهنا يبرز التمييز الذي يستعمله الفقه الإداري بين “نقص الخدمات” و”الخرق”. نقص الخدمات يكون عندما تكون الخدمة موجودة لكنها غير كافية أو تحتاج للتعزيز. أما الخرق فيكون عندما يغيب التنفيذ كليا رغم وضوح الالتزام. وبالعودة إلى الواقع الوطني، نجد الحالتين معا: في بعض المناطق هناك أقسام لكنها قليلة ولا تغطي الطلب، وهذا نقص. وفي مناطق أخرى لا يوجد أي أثر لأي آلية من آليات الدمج المنصوص عليها في المادة 34، وهنا نقترب من وصف الخرق.

الإشكال الأعمق هو أن هذا الوضع يمس مبدأ دستوريا هو المساواة وتكافؤ الفرص في الولوج إلى التعليم. عندما يرتبط الحق في التمدرس الدامج بمكان الإقامة، فإننا نكون أمام تمييز مجالي غير مقصود في النص، لكنه واقعي في التنفيذ. والأطفال المعنيون لا يتحملون مسؤولية مكان ولادتهم، والقانون نفسه لم يشترط ذلك.

اليوم، وبعد مرور أزيد من نصف المدة الزمنية للمخطط الوطني للتربية الدامجة، أصبح من الضروري الانتقال من منطق “المراكز الكبرى” إلى منطق “القرب”. ذلك يمر عبر تكوين أساتذة من أبناء المناطق وتشجيعهم على البقاء فيها، وتعميم حجرات دمج مجهزة داخل كل مؤسسة تعليمية على الأقل، وإطلاق قوافل متنقلة من الأخصائيين لتغطية المناطق التي لا تتوفر فيها مراكز قارة، وربط دعم الجماعات الترابية بالتزام توفير الولوجيات والنقل المدرسي الملائم.

الخلاصة أن القانون الإطار 51.17 وضع معيارا واضحا للمساءلة. فإما أن نعتبر أن ما يحدث هو ورش مفتوح يعرف تعثرات ويحتاج لتسريع وتوزيع عادل، وإما أن نعترف أن غياب أي أثر للقانون في مساحات واسعة من البادية هو إخلال بالتزام قانوني. وفي الحالتين، يبقى الفيصل هو الأثر على الطفل: هل استطاع أن يلج المدرسة القريبة من بيته ويتعلم فعلا؟ ما دام الجواب لا، فإن النقاش القانوني سيظل مفتوحا، وستظل مواد القانون الإطار تنتظر من يحولها من حبر على الورق إلى مقاعد دراسية في كل دوار ومدينة.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.