الوعود الاجتماعية في البرامج الانتخابية: الطبقة العاملة بين سؤال التنمية وديمقراطية الحقوق
مع اقتراب الانتخابات التشريعية الوطنية في 23 شتنبر 2026، لم يعد السؤال المطروح هو: هل حضرت القضايا الاجتماعية في البرامج الانتخابية؟ فقد أصبحت حاضرة، بل إن الحديث عن التشغيل والصحة والتعليم والسكن والنقل والحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية يملأ مساحة واسعة من الخطاب الانتخابي. السؤال الحقيقي اليوم يتعلق بطبيعة الحلول المقترحة، وبالرؤية التي تقف خلفها: هل هي رؤية متماسكة للمجتمع ولعالم الشغل ولتوزيع الثروة، أم مجرد تدبير لنتائج اختلالات أعمق من دون الاقتراب من أسبابها؟
في ظرف اجتماعي متوتر، يعرف فيه سوق الشغل توسعا في الهشاشة وعدم الاستقرار، وتبقى فيه القدرة الشرائية تحت ضغط كلفة المعيشة، لا يمكن قراءة البرامج الانتخابية بمعزل عن الحياة اليومية للأسر. فالناخب لا ينتظر وعودا عامة، بل يريد أن يعرف كيف ستتحول هذه الوعود إلى سياسات فعلية، ومن سيدفع كلفتها، ومن سيستفيد منها.
التشغيل ليس مجرد رقم
حين نتحدث عن التشغيل، لا يكفي أن نعرف عدد مناصب الشغل التي يعد بها هذا البرنامج أو ذاك. فالسؤال الحقيقي يتعلق بنوعية هذه المناصب، وبمستوى الأجر، والاستقرار، والحماية التي توفرها. لا معنى لخلق فرص جديدة إذا كان جزء منها يقوم على العقود الهشة أو العمل المؤقت أو المناولة المتسيبة، أو يضع العامل في وضعية دائمة من عدم اليقين. العامل لا يحتاج فقط إلى فرصة للعمل، بل يحتاج إلى عمل يحفظ كرامته، ويضمن له دخلا مستقرا، وحقوقا واضحة، وإمكانية بناء حياته على أساس من الأمان.
ومن هنا لا يمكن فصل قضية الشغل عن قضية الأجور. فلا يمكن الحديث عن تحسين القدرة الشرائية بمعزل عن واقع الأجراء الذين يعتمدون في حياتهم اليومية على دخلهم من العمل. ارتفاع الأسعار لا يقاس فقط بالأرقام الاقتصادية المجردة، بل بما يبقى في جيب الأسرة بعد أداء كلفة السكن والنقل والغذاء والعلاج والتعليم. وبقدر ما يصبح تحسين الأجور والدفاع عن القدرة الشرائية جزءا من صميم السياسة الاقتصادية، لا مجرد مطلب اجتماعي منفصل عنها.
توزيع الثروة والدولة الاجتماعية
لكن الأجر وحده لا يفسر كل شيء. فخلف النقاش حول القدرة الشرائية توجد مسألة أعمق تتعلق بكيفية توزيع الثروة وثمار النمو. عندما يرتفع الناتج والاستثمار والإنتاجية، يصبح من المشروع أن يسأل العامل: ماذا تغير في وضعه؟ وهل انعكس هذا التحسن على أجره وظروف عمله، أم أن جزءا كبيرا من ثماره ذهب في اتجاه آخر؟
الحديث عن التنمية لا يستقيم إذا ظل منفصلا عن العدالة في توزيع ثمارها. كما أن الدولة الاجتماعية لا يمكن أن تختزل في تقديم المساعدات أو توسيع برامج الدعم، لأن جزءا أساسيا من وظيفتها يتمثل في ضمان توزيع أكثر إنصافا للدخل والثروة، وفي توفير خدمات عمومية جيدة، وفي حماية من يوجد في موقع أضعف داخل سوق الشغل.
الحريات النقابية شرط للتوازن
تقودنا هذه الأسئلة إلى علاقة الشغل نفسها، وهي مسألة غالبا ما تحضر في الخطاب الانتخابي بأقل مما تستحقه. فالعامل ليس طرفا متساويا دائما في مواجهة رب العمل، خصوصا عندما يكون مهددا بفقدان عمله، أو مرتبطا بعقد مؤقت، أو يشتغل في ظروف لا تتيح له الاستقرار. لذلك فإن الحريات النقابية، والحق في التنظيم، والمفاوضة الجماعية، واحترام الاتفاقات المهنية، ليست تفاصيل تقنية تهم فئة محدودة من الأجراء، بل هي جزء من التوازن الاجتماعي ومن شروط الديمقراطية داخل عالم الشغل.
وكل سياسة تتحدث عن تحسين أوضاع العمال من دون أن تعطي مكانا واضحا للحوار الاجتماعي وللتفاوض الجماعي ولحماية الحقوق النقابية، تظل ناقصة مهما بلغ عدد الإجراءات التي تقترحها.
الديمقراطية ليست ترفا مؤجلا
المسألة الاجتماعية لا يمكن فصلها عن طبيعة المجال السياسي والمؤسساتي الذي تجري داخله. ومن اللافت أن الحديث عن التشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية يحتل مساحة واسعة في الخطاب الانتخابي، بينما يتراجع في كثير من الأحيان النقاش حول الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان وحرية التعبير والتنظيم والتجمع واستقلالية العمل النقابي.
والحال أن هذه القضايا ليست ترفا سياسيا يمكن تأجيله إلى ما بعد معالجة الملفات الاجتماعية، لأن المواطن الذي لا يملك كامل حريته في التعبير والتنظيم والدفاع عن مصالحه يجد نفسه أضعف في مواجهة الاختلالات التي تمس حياته اليومية. فالديمقراطية ليست فقط انتظام الانتخابات أو وجود مؤسسات منتخبة، وإنما مدى قدرة المواطن على التأثير في القرار العمومي، وعلى مساءلة من يتولى المسؤولية، وعلى ممارسة حقوقه من دون خوف أو تضييق أو مساومة.
التحولات الرقمية والمناخية
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع التغير السريع في طبيعة العمل نفسه. فالعامل الذي يشتغل عبر منصة رقمية أو تطبيق، والعامل عن بعد، ومن تتغير وظيفته بفعل الأتمتة والذكاء الاصطناعي، يواجه واقعا مهنيا مختلفا، لكنه لا يفقد بسبب ذلك حقه في الأجر العادل والحماية الاجتماعية والاستقرار والتنظيم. فالتكنولوجيا يمكن أن تفتح مجالات جديدة للعمل والإنتاج، لكنها يمكن أيضا أن تصبح وسيلة لتوسيع الهشاشة إذا استعملت لتمرير مخاطر العمل إلى العامل نفسه أو لإضعاف علاقته بالمشغل.
والأمر نفسه ينطبق على التحول البيئي والمناخي الذي سيعيد تشكيل عدد من القطاعات والمهن. فالانتقال إلى اقتصاد أكثر احتراما للبيئة يمكن أن يخلق فرصا جديدة، لكنه قد يفرض في المقابل تحولات صعبة على عمال وقطاعات ومناطق بأكملها. لذلك لا ينبغي أن تكون العدالة المناخية منفصلة عن العدالة الاجتماعية، فالانتقال العادل يفترض حماية العمال المتضررين، وتوفير التكوين وإعادة التأهيل، وخلق بدائل مهنية حقيقية، حتى لا يتحمل الأجراء وحدهم كلفة التحول الاقتصادي والبيئي.
فئات هشة خارج الحماية
ومن الصعب الحديث عن حماية العامل من دون التوقف عند الحماية من البطالة، لأن فقدان العمل ما يزال بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر لحظة قد تقود بسرعة إلى الهشاشة. فالحماية الاجتماعية الحقيقية لا ينبغي أن تبدأ فقط عند المرض أو التقاعد، بل ينبغي أن تشمل أيضا مراحل الانتقال المهني وفقدان العمل وإعادة الإدماج.
غير أن توسيع الحماية لا يمكن أن يظل محصورا في العمال الموجودين داخل القطاع المنظم، لأن جزءا كبيرا من اليد العاملة يوجد خارج هذا الإطار أو في وضعيات لا توفر الحد الأدنى من الاستقرار والحقوق، كالعمال الزراعيين، والعمال الموسميين، والعاملين في الاقتصاد غير المنظم، وفئات أخرى تشتغل في ظروف صعبة. والمطلوب ليس فقط إدماجهم إحصائيا في برامج الحماية، وإنما معالجة الأسباب التي تجعلهم عالقين في الهشاشة، وتوفير شروط الانتقال إلى عمل منظم يحفظ حقوقهم ويضمن لهم التغطية الاجتماعية.
ولا يمكن في الوقت نفسه تجاهل وضع النساء، لأن ضعف وتراجع مشاركتهن في سوق الشغل لا يرتبط فقط بنقص فرص العمل، وإنما أيضا بثقل مسؤوليات الرعاية والعمل المنزلي غير المؤدى عنه، وبصعوبات الولوج إلى بعض القطاعات والمهن، وباستمرار مظاهر التمييز. كما لا يمكن اختزال مشكلة الشباب في رقم معدلات البطالة، لأن ما يعيشه كثير منهم يرتبط بسؤال أوسع حول الاستقلال الاقتصادي والقدرة على بناء مشروع للحياة.
من يمول الوعود؟
وفي كل ذلك تظل مسألة التمويل حاسمة. فالحديث عن دولة اجتماعية قوية وخدمات عمومية جيدة وحماية اجتماعية شاملة وشغل لائق لا يمكن أن يبقى منفصلا عن سؤال: من يمول هذه السياسات؟ العدالة الاجتماعية تقتضي أيضا عدالة جبائية تجعل المساهمة في تمويل الدولة مرتبطة بالقدرة الحقيقية على الأداء، وتحد من التهرب والغش والامتيازات والإعفاءات غير المبررة والمضاربات، بدل أن يستمر الضغط بشكل أكبر على الأجراء والمستهلكين. فاختيارات الضريبة ليست مسألة تقنية تخص المالية العمومية وحدها، وإنما هي في جوهرها اختيار اجتماعي وسياسي يحدد من يتحمل كلفة الدولة ومن يستفيد من مواردها.
الاختبار الحقيقي
من هذه الزاوية يصبح الاختبار الحقيقي للبرامج الانتخابية هو مدى استعدادها لتغيير الشروط التي تنتج التفاوت والهشاشة والتهميش، لا مجرد قدرتها على وصفها أو تقديم حلول مؤقتة للتخفيف من آثارها. فالعدالة الاجتماعية لا تنفصل عن الديمقراطية، والحق في العمل اللائق لا ينفصل عن الحق في التنظيم، والحق في الحماية الاجتماعية لا ينفصل عن الحق في المشاركة والمساءلة، والدولة الاجتماعية لا يمكن أن تكون قوية من دون دولة حقوق ومؤسسات وحريات.
المسألة في النهاية ليست أن البرامج الانتخابية لا تتحدث عن المجتمع أو عن الفئات الشعبية، فهي تتحدث عنها كثيرا، وإنما كون الحديث عن المعاناة الاجتماعية شيء، والذهاب إلى أسبابها شيء آخر. والحديث عن الديمقراطية شيء، وتحويلها إلى ممارسة يومية تحمي الحقوق والحريات وتضمن المشاركة والمساءلة شيء آخر.
لذلك فإن المجتمع لا يحتاج فقط إلى برامج تعده بتدبير مشاكله، بل إلى اختيارات سياسية تجعل من الكرامة والعمل والحرية والعدالة الاجتماعية ركائز متكاملة للحياة العامة، وإلى حكومات تجعل من هذه الاختيارات التزامات قابلة للتنفيذ لا وعودا مؤجلة إلى ما بعد الانتخابات. وفي هذا تحديدا يكمن معنى المسؤولية السياسية: أن يعرف المواطن قبل أن يصوت ماذا سينجز، وكيف سينجز، ومن سيدفع كلفته، ومن سيستفيد منه، ومن سيتحمل مسؤولية عدم إنجازه.
فالمواطن لا يحتاج إلى من يصف له مشاكله التي يعرفها جيدا، وإنما إلى من يقدم اختيارات واضحة لمعالجتها، ويملك الشجاعة السياسية لتحمل مسؤولية تنفيذها. وهنا يكون معنى الانتخابات أوسع من مجرد التنافس على المقاعد؛ إنها لحظة مساءلة واختيار حول أي مجتمع نريد، وأي دولة نريد.
بقلم: ع. جلال بالمامي، فاعل نقابي