آراء وأقلام

حين يتبادل الجميع الاتهامات.. من يتحمل مسؤولية الحصيلة؟

صوت العدالة- عبد السلام اسريفي

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، تكشف الحملات الانتخابية عن مشهد سياسي لافت، عنوانه الأبرز تبادل الاتهامات وتحميل المسؤوليات، إلى درجة أصبح معها المواطن يجد صعوبة في التمييز بين من كان في موقع المسؤولية ومن كان في المعارضة، ومن شارك في تدبير الشأن العام ومن ظل خارج دوائر القرار.

فخلال اللقاءات الانتخابية، يحمّل كل طرف خصمه مسؤولية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع الأسعار، والاختلالات التي يعرفها القطاع الصحي، وأزمة التعليم، والبطالة، والفقر والهشاشة. والأكثر إثارة للانتباه أن بعض الذين كانوا جزءاً من الأغلبية أو شاركوا في مواقع التدبير، يقدمون أنفسهم اليوم وكأنهم لم يكونوا طرفاً في القرارات التي تُنتقد، بينما يسارع خصومهم بدورهم إلى التنصل من جزء من الحصيلة وتحميلها لشركائهم السابقين.

وبذلك يجد المواطن نفسه أمام خطاب سياسي تختلط فيه المواقع والأدوار، فلا يعود واضحاً بالنسبة إليه: من كان مسؤولاً؟ ومن كان شريكاً في القرار؟ ومن كان في المعارضة؟ ومن يتحمل فعلاً مسؤولية ما تحقق وما لم يتحقق؟

المشكل هنا لا يرتبط فقط بقوة المنافسة الانتخابية، فالتنافس مشروع وطبيعي، بل بطريقة إدارة هذا التنافس. إذ يفترض أن تكون الانتخابات مناسبة لعرض البرامج والحلول وتقديم حصيلة واضحة ومقارنة بين ما تحقق وما تعثر، بدل تحويلها إلى مناسبة لتبادل الاتهامات واستعمال الخطاب الشعبوي والضرب في صورة الخصوم.

فالناخب لا يحتاج إلى خطاب يكتفي بتعداد الاختلالات، بقدر ما يحتاج إلى إجابات واضحة: ماذا تحقق خلال الولاية السابقة؟ ومن اتخذ القرار؟ ومن شارك في تنفيذه؟ ومن عارضه؟ وما البديل الذي يقترحه كل حزب اليوم؟

والأكثر إثارة في هذا المشهد أن التحالفات السياسية قد تجعل بعض الخصوم الانتخابيين اليوم حلفاء في مواقع أخرى، أو تجعل من يتبادلون الاتهامات في المنصات الانتخابية شركاء في مؤسسات ودوائر تدبيرية. وقد يصل الأمر إلى مفارقة أن يجتمع الفرقاء السياسيون في مؤسسات التدبير ويتوافقون حول ملفات معينة، قبل أن يعودوا إلى المنابر الانتخابية لتبادل الاتهامات وكأن العلاقة بينهم لم تعرف يوماً أي تعاون أو تحالف.

وهنا تبرز إشكالية أعمق تتعلق بوضوح المسؤولية السياسية. فالديمقراطية لا تقوم فقط على التنافس، وإنما تقوم أيضاً على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعلى معرفة المواطن بمن اتخذ القرار ومن شارك فيه ومن عارضه.

أما حين يتحول الجميع إلى معارضة، وحين تصبح كل جهة حريصة على نسب الإيجابيات لنفسها ودفع السلبيات إلى الآخرين، فإن الانتخابات تفقد جزءاً من وظيفتها الأساسية، ويتحول النقاش السياسي من منافسة حول البرامج والحصيلة إلى معركة حول من يستطيع توجيه اللوم إلى خصمه بشكل أكثر تأثيراً.

وفي النهاية، يبقى المواطن هو الحكم. لكنه يحتاج إلى خطاب سياسي أكثر وضوحاً وواقعية، يضع أمامه الأرقام والحصائل والبرامج، ويحدد المسؤوليات بعيداً عن الشعبوية والمزايدات.

فالانتخابات ليست مناسبة للبحث عن كبش فداء، وإنما محطة لتقديم الحساب أمام المواطنين، وطرح البدائل، وتحمل المسؤولية السياسية كاملة. وإذا كان الجميع يقول إنه يملك الحل، فمن حق المواطن أن يسأل ببساطة: من كان يملك القرار خلال السنوات الماضية؟ ومن يتحمل مسؤولية ما تحقق وما لم يتحقق؟

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.