قرار دستوري يعيد فتح ملف الترحال السياسي.. هل تكفي الاستقالة الحزبية للعبور إلى البرلمان؟
بقلم: حسن نطير
في خضم النقاش المتجدد حول انتقال المنتخبين بين الأحزاب السياسية، يكتسب قرار المحكمة الدستورية رقم 191/22 م.إ أهمية خاصة، ليس فقط بالنظر إلى نتيجته في القضية التي صدر بشأنها، وإنما لما يكشفه من توجه قضائي في التعامل مع العلاقة بين الانتماء الحزبي، والصفة الانتخابية، ومبدأ النزاهة، وسلامة التمثيل الديمقراطي.
فالقرار الصادر بتاريخ 14 يوليوز 2022 لم يتعامل مع الاستقالة من الحزب باعتبارها مجرد وثيقة إدارية تنهي النقاش بشكل آلي، وإنما نظر إلى الوضعية السياسية والقانونية للمترشح في شموليتها، وهو ما يجعل هذا الاجتهاد جديراً بإعادة القراءة كلما ظهرت حالات انتقال من حزب إلى آخر مقرونة بالترشح لانتخابات جديدة.
من ورقة الاستقالة إلى حقيقة الانتماء
المسألة الجوهرية التي يثيرها الاجتهاد
الدستوري ليست ما إذا كان المنتخب يستطيع، من حيث المبدأ، تغيير انتمائه السياسي؛ فهذا أمر لا يمكن اختزاله في المنع المطلق. وإنما السؤال هو: هل تكفي الاستقالة وحدها لإثبات انتهاء العلاقة القانونية والسياسية بالحزب السابق؟
هنا تكمن أهمية القرار.
فالمحكمة لم تجعل الوثيقة المنفردة معياراً نهائياً، وإنما بحثت في الوقائع المرتبطة بالوضعية الانتخابية والحزبية للمعني بالأمر، وفي مدى انسجام السلوك اللاحق مع الادعاء بوجود قطيعة نهائية مع الحزب السابق.
وبذلك، فإن الاجتهاد يكرس مقاربة يمكن وصفها بأنها الانتقال من الشكل إلى الجوهر؛ أي أن المحكمة لا تنظر فقط إلى ما هو مكتوب في وثيقة الاستقالة، بل إلى ما إذا كانت الوقائع المحيطة بها تؤكد فعلاً انتهاء الانتماء السابق.
حين تتقاطع الصفة الانتخابية مع الانتماء الحزبي
الإشكال يصبح أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بمنتخب حصل على صفته الانتخابية في إطار ترشيح سابق باسم حزب معين، ثم قرر لاحقاً الانتقال إلى حزب آخر، مع احتفاظه بمسؤولية أو عضوية انتخابية.
هنا تظهر مجموعة من الأسئلة القانونية الدقيقة:هل الصفة الانتخابية التي حصل عليها المنتخب باسم الحزب الأول تستمر في إنتاج آثار مرتبطة بالانتماء الحزبي؟
وهل يمكن اعتبار ممارسة هذه الصفة، بعد الاستقالة، دليلاً على استمرار العلاقة بالحزب السابق؟
أم أن المنتخب، بمجرد استكمال إجراءات الاستقالة والانضمام إلى حزب جديد، يصبح في وضعية قانونية مستقلة، حتى وإن ظل يحتفظ بالمسؤولية الانتخابية التي حصل عليها في مرحلة سابقة؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بشعار سياسي أو بتأويل مبسط لقرار المحكمة، بل تستوجب العودة إلى طبيعة الصفة الانتخابية، والقواعد المنظمة لها، وتاريخ الاستقالة، وتاريخ الانضمام الجديد، والوقائع التي أعقبت الاستقالة.
النزاهة.. كلمة مفتاحية في الاجتهاد الدستوري
من أبرز ما يجعل القرار ذا أهمية تتجاوز الملف الذي صدر بشأنه هو استحضاره لمبدأ النزاهة في المجال الانتخابي.
فالنزاهة ليست مجرد مفهوم أخلاقي في الخطاب السياسي، وإنما أصبحت ذات حمولة قانونية عندما يتعلق الأمر بسلامة الانتخابات وصحة التمثيل.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب من المترشح ليس فقط تقديم وثائق سليمة، وإنما أيضاً أن تكون وضعيته السياسية والقانونية واضحة وغير متناقضة.
فالناخب، عندما يصوت لمترشح في إطار حزب معين، لا يتعامل بالضرورة مع المترشح باعتباره شخصاً منفصلاً عن الإطار السياسي الذي قدمه؛ بل إن الحزب والبرنامج والهوية السياسية تدخل جميعها في تشكيل الاختيار الانتخابي.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: إلى أي حد يمكن أن يؤدي الانتقال السياسي بعد الحصول على صفة انتخابية إلى تغيير طبيعة التمثيل الذي منحه الناخبون؟
رئيس الجماعة.. هل الاستقالة تنهي كل شيء؟
تزداد حساسية النقاش عندما يتعلق الأمر برئيس جماعة أو منتخب محلي انتقل من حزب إلى آخر، ثم يسعى إلى الترشح للبرلمان.
لكن من الناحية القانونية، لا ينبغي الوقوع في استنتاج سريع مفاده أن مجرد استمرار الشخص في رئاسة جماعة أو عضوية مجلس منتخب يعني تلقائياً استمرار انتمائه إلى الحزب الذي ترشح باسمه سابقاً.
هذه مسألة تحتاج إلى إثبات قانوني مستقل.
فالصفة الانتخابية ليست بالضرورة مرادفة للعضوية الحزبية، ولا يجوز الخلط بين استمرار ولاية انتخابية وبين استمرار الانتماء إلى الحزب.
لكن في المقابل، فإن استمرار ممارسة حقوق أو مهام أو أدوار ترتبط بالحزب السابق، أو وجود وقائع أخرى تثبت استمرار الانتماء رغم الاستقالة، قد يغير التقييم القانوني جذرياً.
وهنا بالضبط تكمن أهمية الاجتهاد الدستوري: العبرة ليست بالاستقالة في حد ذاتها، وإنما بمدى انسجام الوضعية الكاملة للمترشح مع مقتضيات القانون ومبادئ النزاهة.
هل يشكل قرار 191/22 سابقة تمنع الترشح بعد تغيير الحزب؟
الإجابة القانونية الدقيقة هي: ليس بالضرورة.
فالقرار لا يمكن قراءته باعتباره قاعدة آلية تقول إن كل منتخب يستقيل من حزب ويترشح باسم حزب آخر يفقد حقه في الترشح.
مثل هذا التفسير سيكون توسعاً في نطاق الاجتهاد القضائي.
القيمة الحقيقية للقرار تكمن في أنه يبرز أن الاستقالة لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء شكلي لوضعية تتناقض، في الواقع والقانون، مع مقتضيات الانتماء الحزبي والنزاهة الانتخابية.
وبالتالي، فإن كل حالة ينبغي أن تخضع لفحص مستقل، خصوصاً من حيث التواريخ والوثائق والصفات الانتخابية ومظاهر استمرار أو انتهاء العلاقة بالحزب السابق.
من الترحال السياسي إلى حماية ثقة الناخب
القضية في جوهرها لا تتعلق فقط بخلاف بين منتخب وحزب سياسي، وإنما تتصل بسؤال أكبر: كيف يمكن حماية ثقة الناخب في المؤسسات المنتخبة؟
فالترحال السياسي ظل، لسنوات، واحداً من أكثر المواضيع إثارة للجدل في الحياة السياسية المغربية، بسبب ما يطرحه من إشكالات حول استقرار الخريطة السياسية، ومصداقية البرامج الانتخابية، وحدود العلاقة بين المنتخب والحزب والناخب.
لكن معالجة الظاهرة قانونياً تتطلب التمييز بين حرية الفرد في اختيار انتمائه السياسي وبين الممارسات التي قد تؤدي إلى إفراغ القواعد المنظمة للانتخابات من مضمونها.
وهذا التوازن هو الذي يعطي الاجتهاد الدستوري أهميته: حماية الحرية السياسية من جهة، وحماية نزاهة التمثيل الانتخابي من جهة أخرى.
السؤال الحاسم: ماذا بعد الاستقالة؟
في أي حالة مشابهة، لا ينبغي أن يكون السؤال الوحيد هو: هل قدم المنتخب استقالته؟
بل ينبغي أن تمتد الأسئلة إلى ما بعد ذلك:
متى قدم الاستقالة؟
هل كانت الاستقالة نهائية ومستوفية للشروط القانونية؟
متى أصبح عضواً في الحزب الجديد؟
هل كان هناك أي تداخل زمني في الانتماء الحزبي؟
ما هي طبيعة الصفة الانتخابية التي حصل عليها سابقاً؟
هل استمر في ممارسة أي دور أو نشاط يثبت استمرار علاقته بالحزب السابق؟
وهل توجد مقتضيات قانونية خاصة تؤثر على أهليته للترشح؟
هذه الأسئلة، مجتمعة، هي التي يمكن أن تحدد ما إذا كانت الحالة تدخل فعلاً في نطاق الاجتهاد الذي كرسه قرار 191/22 أم أنها تختلف عنه اختلافاً جوهرياً.
اجتهاد يفرض قراءة دقيقة لا أحكاماً جاهزة
الأهمية السياسية والإعلامية لقرار المحكمة الدستورية لا ينبغي أن تدفع إلى استعماله كأداة لإصدار أحكام مسبقة في مواجهة أي منتخب غيّر انتماءه السياسي.
فالقضاء الدستوري لا يعمل بمنطق التشابه السياسي، وإنما بمنطق الوقائع والقانون والأدلة.
ولهذا، فإن المقارنة الصحيحة مع قرار 191/22 لا تبدأ من اسم الحزب أو المنطقة أو الشخص، وإنما من مدى تطابق الوقائع القانونية.
وهنا تظهر الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من القرار: قد تكون الاستقالة بداية القطيعة، لكنها ليست بالضرورة دليلاً نهائياً عليها إذا كانت الوقائع اللاحقة تكشف استمرار وضعية تتعارض معها.
وفي المقابل، فإن وجود مسؤولية أو ولاية انتخابية سابقة لا يعني تلقائياً استمرار الانتماء الحزبي.
وبين هذين الحدين، يبقى السؤال القانوني مفتوحاً: هل نحن أمام تغيير مشروع للانتماء السياسي، أم أمام استمرار لوضعية حزبية سابقة جرى تغيير عنوانها فقط؟
ذلك هو السؤال الذي يجعل قرار 191/22 واحداً من الاجتهادات التي تستحق استحضارها كلما عاد النقاش حول الترحال السياسي، خصوصاً في سياق الانتخابات البرلمانية، حيث تصبح سلامة الترشيح ونزاهة التمثيل جزءاً أساسياً من شرعية العملية الانتخابية برمتها.