آراء وأقلام

الخميسات :النقل المدرسي هل هو ورش اجتماعي ام مشروع ربحي؟

بقلم: حسن نطير
في العالم القروي بإقليم الخميسات، حيث ما تزال المسافة بين الدوار والمدرسة عاملاً مؤثراً في استمرار التمدرس، وخاصة بالنسبة إلى الفتيات، كان يفترض أن يشكل النقل المدرسي إحدى الأدوات الأساسية لترجمة أهداف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على أرض الواقع: محاربة الهشاشة، تقليص الفوارق المجالية، مكافحة الهدر المدرسي، وتيسير ولوج أبناء العالم القروي إلى المدرسة.
لكن تجربة شركة «مدرستي» تطرح اليوم أسئلة تتجاوز النقل المدرسي في حد ذاته، لتلامس طبيعة العلاقة بين المال العام، والجماعات الترابية، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والشركة، والأسر المستفيدة.
وهي أسئلة لا تستهدف التشكيك في أهمية النقل المدرسي، ولا في مبدأ إسناد تدبيره إلى مؤسسة متخصصة، وإنما تتعلق بكيفية تدبير تجربة يفترض أن يكون الإنسان، وليس الربح، في قلبها.
اتفاقيات دون اطلاع كافٍ؟
بحسب تصريحات عدد من المستشارين الجماعيين، فإن مجالس ترابية صادقت على نقاط تتعلق بإبرام اتفاقيات شراكة مع شركة «مدرستي»، دون أن يتوصل أعضاء هذه المجالس، وفق إفاداتهم، بنسخ من الاتفاقيات قبل انعقاد الدورات، ودون مناقشة مضامينها بالتفصيل.
وإذا ثبتت هذه المعطيات بالرجوع إلى محاضر الدورات والوثائق الرسمية، فإن الأمر يطرح سؤالاً أساسياً حول مدى قدرة المنتخبين على اتخاذ قرار مستنير بشأن التزامات مالية وتدبيرية ستترتب على جماعاتهم لسنوات.
فالمصادقة على اتفاقية ليست مجرد إجراء شكلي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمال العام وبخدمة تمس آلاف الأسر والتلاميذ.
والسؤال هنا بسيط:
هل كان أعضاء المجالس يتوفرون فعلاً على كل الوثائق والمعطيات الضرورية قبل التصويت؟ وهل عرفت الاتفاقيات نقاشاً حقيقياً حول كلفتها، ومدتها، والتزامات الأطراف، وطريقة تمويل الخدمة، وحقوق المستفيدين؟
من يمول «مدرستي» ومن يدفع؟
هذه هي النقطة الأكثر إثارة للجدل.
فحسب المعطيات المتوفرة، فإن جزءاً مهماً من الحافلات التي تشتغل ضمن منظومة الشركة تم توفيره بتمويل من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والمجلس الإقليمي للخميسات، كما تساهم الجماعات الترابية في تمويل التجربة وفي رأسمال الشركة.
وتشير المعطيات المقدمة من مستشارين جماعيين إلى أن جماعة والماس تضخ حوالي 500 مليون سنتيم سنوياً، فيما تصل مساهمة المجلس الإقليمي للخميسات إلى حوالي 700 مليون سنتيم.
وفي المقابل، تؤدي الأسر، وفق المعطيات المتداولة، واجبات مقابل استفادة أبنائها من النقل المدرسي.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق أن تكون في صلب النقاش:
إذا كانت وسائل النقل ممولة جزئياً من المال العام، وإذا كانت الجماعات والمجلس الإقليمي يساهمون في تمويل الشركة، فلماذا يؤدي المستفيد النهائي، وهو التلميذ أو أسرته، مقابلاً إضافياً؟
ليس السؤال هنا عن مبدأ أداء الأسر في حد ذاته، وإنما عن النموذج المالي الكامل للخدمة.
ما حجم الأموال التي تدخل إلى الشركة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية؟ وما الذي تقدمه الجماعات والمجلس الإقليمي؟ وما حجم مساهمات الجماعات في رأسمالها؟ وكم تجمع الشركة سنوياً من الأسر؟ وهل مداخيل الأسر تدخل في احتساب الكلفة الإجمالية للخدمة أم تعتبر مورداً إضافياً؟
المال العمومي.. استثمار أم دعم اجتماعي؟
تزداد أهمية هذه الأسئلة عندما نعلم أن الجماعات الترابية نفسها تساهم في رأسمال الشركة.
فإذا كانت الجماعة تضع أموالاً عمومية في رأسمال شركة، فإن الرأي العام من حقه أن يعرف طبيعة هذه المساهمة والعائد المتوقع منها.
هل هي مساهمة استثمارية يفترض أن تدر أرباحاً؟
أم أنها مساهمة اجتماعية هدفها تمويل خدمة عمومية ذات بعد تنموي؟
إذا كانت الشركة تحقق أرباحاً، فهل تستفيد الجماعات المساهمة من هذه الأرباح؟ وما هي آلية توزيعها؟
وإذا كانت لا تحقق أرباحاً أو لا توزعها، فما هو المقابل الذي تحصل عليه الجماعات نظير الأموال التي ضختها في رأسمال الشركة؟
ثم ماذا عن الأموال التي ساهمت بها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية؟
هل الهدف منها تمويل مؤسسة وسيطة، أم دعم خدمة اجتماعية يستفيد منها المواطن بشكل مباشر؟
هذه الأسئلة تستوجب نشر المعطيات المالية كاملة، لأن المساهمات العمومية ليست أموالاً مجهولة المصدر، وإنما هي في النهاية أموال المواطنين.
أين تقف فلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية؟
المبادرة الوطنية للتنمية البشرية قامت على فلسفة واضحة: الاستثمار في الإنسان، ومحاربة الفقر والهشاشة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
والنقل المدرسي في العالم القروي يدخل منطقياً في صميم هذه الفلسفة، لأنه وسيلة لمساعدة الأطفال على الوصول إلى المدرسة والحد من الانقطاع عن الدراسة.
لكن عندما يدخل نموذج شركة ذات منطق مالي وربحي إلى هذه المعادلة، يصبح من الضروري تحديد الحدود بين الهدف الاجتماعي والهدف الاقتصادي.
وهنا السؤال الجوهري:
هل صُممت منظومة «مدرستي» باعتبارها أداة لتنفيذ هدف اجتماعي، أم باعتبارها شركة تقدم خدمة بمقابل؟ وإذا كان الهدف اجتماعياً، فكيف تبرر استفادة الشركة من عدة مصادر للتمويل العمومي بالتوازي مع استخلاص واجبات من الأسر؟
وإذا كان الهدف اقتصادياً، فما طبيعة العائد الذي تحصل عليه الجماعات التي ساهمت في رأسمالها؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان النموذج يحقق بالفعل تكاملاً بين التنمية والحكامة، أم أنه يحتاج إلى مراجعة.
وماذا عن العدالة المجالية؟
لا يمكن تقييم تجربة النقل المدرسي فقط بعدد الحافلات التي تم توفيرها.
المعيار الحقيقي هو: من يستفيد؟
هل تصل الخدمة إلى أبعد الدواوير وأكثرها هشاشة؟ هل تشمل التلاميذ الذين يعيشون في مناطق ذات مسالك صعبة؟ هل يستفيد منها الفقراء بنفس شروط استفادة الأسر الميسورة؟ وهل توجد آليات لإعفاء الأسر غير القادرة على الأداء أو تخفيف العبء عنها؟
فإذا أصبح الفقر سبباً إضافياً يحول دون الاستفادة من النقل، فإن الغاية الاجتماعية للمشروع تكون قد تعرضت للاختلال.
ومن هنا تطرح مسألة التعريفة نفسها:
من يحدد واجبات النقل؟ وعلى أي أساس؟ وهل تتناسب مع القدرة المالية للأسر القروية؟ وهل يتم تعديلها بحسب مستوى الهشاشة؟
وأين تقييم جودة الخدمة؟
الأموال العمومية لا تمنح المشروع حصانة من التقييم.
بل على العكس، كلما ارتفع حجم الدعم العمومي، ارتفعت الحاجة إلى تقييم النتائج.
لذلك ينبغي أن يكون متاحاً للرأي العام عدد من المؤشرات الأساسية:

  • عدد التلاميذ المستفيدين فعلياً؛
  • عدد الحافلات العاملة؛
  • عدد الدواوير المغطاة؛
  • تكلفة النقل لكل تلميذ؛
  • حجم المساهمات العمومية؛
  • مداخيل الشركة من الأسر؛
  • تكاليف الوقود والصيانة والتأمين والأجور؛
  • نسبة الأعطاب والتوقفات؛
  • مستوى انتظام الرحلات؛
  • وحصيلة المشروع في الحد من الهدر المدرسي.
    فنجاح النقل المدرسي لا يقاس بعدد الحافلات التي تم اقتناؤها، وإنما بعدد الأطفال الذين ساعدهم النقل فعلاً على البقاء في المدرسة.
    الجماعات.. مساهم أم ممول فقط؟
    هناك جانب آخر يحتاج إلى توضيح.
    إذا كانت الجماعات الترابية تساهم في رأسمال الشركة وتمول نشاطها، فما هي طبيعة موقعها داخل منظومة اتخاذ القرار؟
    هل لها تمثيلية في أجهزة الحكامة؟
    هل تحصل على تقارير مالية دورية؟
    هل تستطيع مراقبة كيفية صرف مساهماتها؟
    هل تشارك في تحديد التعريفة وشروط الاستفادة؟
    وهل تستطيع مساءلة الشركة عن مستوى الخدمة؟
    ثم السؤال الأكثر مباشرة:
    إذا كانت الجماعات شريكة في الشركة، فهل هي شريك في الأرباح أيضاً، أم أن دورها ينحصر في ضخ الأموال والمساهمة في تحمل الكلفة؟
    هذه ليست تفاصيل محاسبية، وإنما أسئلة مرتبطة بمفهوم الحكامة وحماية المال العام.
    المطلوب ليس الإدانة.. بل كشف الحساب
    إن فتح هذا الملف لا يعني بالضرورة أن تجربة «مدرستي» فاشلة، ولا يعني اتهام الشركة بسوء التدبير أو تحقيق أرباح غير مشروعة دون وثائق تثبت ذلك.
    لكن حجم الأموال العمومية المرتبطة بالتجربة يجعل الشفافية حقاً للمواطن وواجباً على المؤسسات.
    المطلوب اليوم هو كشف واضح ومتاح للرأي العام عن:مصادر تمويل الشركة، تركيبة رأسمالها، ملكية الحافلات، الاتفاقيات المبرمة، قيمة مساهمات كل جماعة، مساهمة المجلس الإقليمي، مساهمات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، واجبات الأسر، كلفة الخدمة، المداخيل، النتائج المالية، وآليات توزيع الأرباح إن وجدت.
    كما أن من حق المواطنين معرفة ما إذا كانت المجالس الترابية قد ناقشت الاتفاقيات التي صادقت عليها وهي تتوفر على نسخها ومعطياتها كاملة.
    السؤال الذي لا يمكن الهروب منه
    في النهاية، لا يتعلق الأمر بحافلة تنقل تلميذاً من دواره إلى مدرسته فحسب.
    إنه نموذج تنموي بأكمله.
    فإذا كانت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تمول، والمجلس الإقليمي يساهم، والجماعات تضخ أموالاً في رأسمال الشركة وتمول خدماتها، والأسر تؤدي واجبات النقل، فمن يتحمل الكلفة الحقيقية؟ ومن يستفيد؟ وما هو العائد على الجماعات؟ وما هو العائد الاجتماعي على المواطنين؟
    وإذا كانت الشركة تحقق أرباحاً، فمن يحصل عليها؟
    وإذا لم تحقق أرباحاً، فلماذا تؤدي الأسر مقابلاً لخدمة ممولة أصلاً من المال العام؟
    وإذا كان الهدف هو محاربة الهدر المدرسي، فهل انخفض الهدر المدرسي فعلاً؟
    وإذا كان الهدف هو محاربة الهشاشة، فهل أصبحت الأسر الأكثر فقراً أقل عبئاً، أم أصبحت مطالبة بأداء كلفة إضافية؟
    وإذا كان الهدف هو العدالة المجالية، فهل وصلت الحافلات إلى الأكثر عزلة وهشاشة؟
    وأخيراً، إذا كان المال العام هو الذي موّل جزءاً كبيراً من هذه المنظومة، فهل المواطن يعرف أين ذهب ماله، وكيف استُثمر، وما الذي عاد عليه في المقابل؟
    هذه ليست أسئلة ضد «مدرستي».
    إنها أسئلة من أجل «مدرستي» أفضل، ونقل مدرسي أكثر عدالة، وتدبير أكثر شفافية، ومبادرة وطنية للتنمية البشرية تظل وفية لجوهرها: الاستثمار في الإنسان قبل أي شيء آخر.
    فالاختبار الحقيقي لهذه التجربة ليس عدد الاتفاقيات التي وقعت، ولا حجم الأموال التي ضخت، ولا عدد الحافلات التي اقتنيت.
    الاختبار هو: هل أصبح ابن العالم القروي أقرب إلى المدرسة، وأقل عرضة للهدر المدرسي، وأقل كلفة على أسرته؟وما لم تجب الأرقام والوثائق عن هذا السؤال، سيظل ملف «مدرستي» مفتوحاً على سؤال أكبر:حين يصبح المال العام وقوداً للنقل المدرسي.. من يقود الحافلة، ومن يدفع الثمن، ومن يحاسب؟

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.