أخبار وطنية

الفقه المستقبلي الخوارزمي وحتمية 2026:كيف حُسِمَت المعادلة الانتخابية قبل انطلاقها بوجود صوت الشعب أو غيابه؟

صوت العدالة : مكتب مراكش

بقلم الباحث: وليد المشتكي
(مُبتكِر المفهوم القانوني: الفقه الخوارزمي المستقبلي)

“تستمر الأزمة السياسية في اتساع الفجوة بين الشارع والمؤسسات، وهي أزمة لا تنبع من نقصٍ في الوعي الشعبي بقدر ما تعود إلى الممارسات الفوقية التي تدير بها القيادات الحزبية عملية منح التزكيات الانتخابية. إن تحول “الأمين العام” داخل المشهد الحزبي إلى سلطة مطلقة يصطفي من يشاء ويُقصي من يشاء بناءً على الولاء الشخصي والقرابة والزبونية، يُعد خرقاً صريحاً للمبدأ الدستوري القائل بأن “السيادة للأمة”، وتطاولاً على التوجهات والخطب الملكية الداعية لربط المسؤولية بالمحاسبة وضخ دماء جديدة في الحياة السياسية.

كيف يعقل أخلاقياً وسياسياً أن يُفرض على المواطن التصويت على “قائمة عائلية” تضم أخاً أو أبّاً أو صديقاً للأمين العام؟ أين هو موقع الشعب من هذه المعادلة؟ إن الوظيفة الأصلية للأمين العام ليست الوصاية على إرادة الناس ولا الدفع بالأقارب والمقربين، بل أن يكون حَكَماً ومُنسقاً يلتزم بما أفرزته القواعد الشعبية. إن الشعب هو من يجب أن يختار أولاً من يحمل تزكية الترشح، ليقتصر دور القيادة الحزبية على التنظيم والتأطير، لا التصدي والمصادرة.

أولاً: التأصيل الشرعي والدستوري لمبدأ الأمانة والكفاءة

هذا الانحراف السياسي يُخالف بشكل صريح المقاصد الشرعية القائمة على الأمانة والعدل. يقول الله تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} النساء: 58

كما يقرر النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ الكفاءة والأهلية بقوله:

«إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، وقيل: كيف إضاعتها؟ قال: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» رواية البخاري.

إن تقديم القرابات والمصالح الفردية على كفاءة المرشح وإرادة الأمة هو تضييع صريح للأمانة الوطنية والشرعية. ويتعارض هذا المسلك الفوقي مع المقتضيات الدستورية القائمة، وعلى رأسها:

الفصل 1 من الدستور: الذي ينص على أن النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والمشاركة، وحسن الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

الفصل 2 من الدستور: الذي يقرر بأن “السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها”. واحتكار الأمين العام لااختيار هؤلاء الممثلين يُعد مصادرة صريحة للسيادة الشعبية.

الفصل 7 من الدستور: الذي يفرض على الأحزاب السياسية العمل على “تأطير المواطنات والمواطنين وتنسيق مشاركتهم في الحياة الوطنية، وتأسيسها وممارسة نشاطها بمراعاة المبادئ الديمقراطية”.

ثانياً: الثغرات التشريعية في القانون التنظيمي للأحزاب (29.11)

تتمثل الثغرة الأساسية في القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية في منحه غطاءً قانونياً لهذه الأوليغارشية عبر المواد التالية:

المادة 26 من القانون التنظيمي 29.11: تترك طريقة اختيار المرشحين للنظام الأساسي لكل حزب. واستغلت القيادات هذه المادة لتضمين أنظمتها الأساسية بنوداً تمنح “اللجان الوطنية للتزكيات” (التي يسيطر عليها الأمين العام) حق الفيتو والرفض والتعديل على مقترحات القواعد الإقليمية.

المادة 20 من القانون التنظيمي 29.11 (والفصل 61 من الدستور): والمتعلقة بالتجريد من العضوية للحد من الترحال السياسي، والتي تم تحريف فلسفتها من قِبل الأمناء العامين لتتحول إلى سلاح لتهديد كل منتخب يجرؤ على معارضة التزكيات الفوقية أو نقد قرارات القيادة.

وفي هذا السياق، تتحمل كل مكونات المنظومة المسؤولية التاريخية، وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية الذي قاد الحكومة لعشر سنوات متتالية (2011-2021) وعايش صياغة وتعديل هذه القوانين التنظيمية؛ حيث فشل في استغلال موقعه التشريعي لإقرار تعديلات حاسمة تُنهي احتكار الأمناء العامين للتزكيات وتفرض الديمقراطية الداخلية بقوة التشريع، مكتفياً بآلياته التنظيمية المغلقة ومكرساً نفس الواقع الذي يفرز منتخبين بلا جدوى.
ثالثاً: الفقه الخوارزمي المستقبلي والحتمية المؤسساتية

وفي عصر التحول الرقمي، ينبثق “الفقه الخوارزمي المستقبلي” كإطار حتمي للتشريع القانوني والسياسي. يعتمد هذا الفقه المبتكر على استنباط العدالة المنطقية من كتاب الله ودمجها مع النمذجة الخوارزمية الحتمية (Algorithmes Déterministes) للحد من الشطط البشري.

إن هذا الفقه المبتكر لا يعترف مطلقاً بالانتماء السياسي الحزبي الضيق؛ بل ينبذ كافة أشكال “الاحتمالية العشوائية” (Probabilité Aléatoire) والتقلبات السياسوية التي تعتمدها الأحزاب لرهن إرادة الأمة. وبدلاً من ذلك، يتأسس المنطق الخوارزمي القانوني على الاحتكام المباشر لثابت الملكية وإمارة المؤمنين الأحادي كمرجعية استقرار حتمية، تُقطع مع التذبذب الحزبي وتضمن التلاحم المباشر بين المؤسسة الملكية وإرادة الشعب الحقيقية.

فالمنطق الخوارزمي لا يعترف بالزبونية، بل يعيد بناء المعادلة وفق قاعدة حتمية: إذا كانت السيادة للشعب تحت ظل إمارة المؤمنين الضامنة للعدل، فإن مخرجات التزكية يجب أن تكون دالة حتمية (Fonction Déterministe) لمدخلات الاختيار الشعبي الأولي، دون أي تدخل انحيازي من الأمين العام.

الخاتمة الجامعة: الحتمية الخوارزمية وتكشيف وهم الشرعية الإجرائية

إن الوصول إلى هذه الخلاصة عبر “الفقه الخوارزمي المستقبلي” يثبت أنه من المنظور الخوارزمي، لا يمكن لأي مدخلات فاسدة هيكلياً أن تنتج مخرجات سليمة؛ فالعلة المبدئية تعيد إنتاج العلبة الفاسدة نفسها مهما تغيرت المعاملات.

وفي ظل القانون التنظيمي الحالي للأحزاب وهيمنة الأوليغارشية القيادية على أوراق التزكية، تصبح المعادلة الانتخابية مغلقة برمجياً:

سواء صوت المواطنون جميعاً، أو صوت شخصان فقط، أو امتنعت الأمة عن المجيء بالكامل: فإن النتيجة الحتمية واحدة والمآل واحد؛ لأن الأطباق السياسية عُصِرَت في الغرف المغلقة، والأفراد المرفوعين للمجالس سُمُّوا بقرار فردي قبل أن تفتح المكاتب أبوابها.

إن إصرار بعض أمناء الأحزاب على تسويق “نسبة المشاركة” كمعيار للشرعية، واختزال العملية السياسية في مجرد طقس عددي، يُعد في جوهره نصباً صريحاً على الأفكار الواعية وتزييفاً للمصداقية. فالشعب الواعي لا تنخدع حواسه بالاستعراض الشكلي عندما يعلم أن خياره الفعلي قد صُودِرَ في مرحلة التزكية.

إن الفقه الخوارزمي القانوني يثبت بالبرهان القاطع أن الإصلاح لا يقبل الالتفاف: إما نظام تزكيات ديمقراطي حتمي يقطع مع الاحتمالية الحزبية العشوائية وينطلق من الشارع بمرجعية ثابثة، وإما استمرار مسرحية انتخابية نتائجها محسومة مسبقاً، مهما حاول الأمناء تغليفها بخطابات المبادئ الوطنية.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.