لخصم وعرشان.. حين يخرج الكلام من القلب
بقلم: عبد السلام اسريفي
صار حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، وأمينه العام عبد الصمد عرشان، إلى جانب مصطفى لخصم، رئيس جماعة إيموزار كندر، حديث العام والخاص في المغرب، خصوصا بعد التحاق عدد من الأسماء الفاعلة في مجالات الطب والتعليم والاقتصاد والرياضة، في مشهد يعكس رغبة متزايدة في البحث عن خطاب سياسي مختلف، أقرب إلى انشغالات المواطن وأبعد عن لغة الشعارات الجاهزة.
ولعل ما يميز هذا الثنائي، في نظر متابعيه، أن حضوره لم يعد مقتصرا على اللقاءات الحزبية والتجمعات الانتخابية، بل امتد إلى مواقع التواصل الاجتماعي، التي تحولت معهما إلى فضاءات تنبض بالحياة والأمل. والسبب، كما يبدو، هو طبيعة الكلام الذي يقدمانه عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بالمملكة، كلام يخرج بعفوية، ويحاول ملامسة ما يعيشه المغاربة من تحديات، أينما حلّا وارتحلا.
لقد باتت مجموعة من المواطنين، في أقاليم ومدن مختلفة، تتمنى استقبال هذا الثنائي، لا بحثا عن خطاب انتخابي تقليدي، وإنما رغبة في الاستماع إلى حديث يلامس واقعها، ويعبر عن انتظاراتها، ويمنحها الإحساس بأن هناك من يصغي إليها.
ولعل الزيارة الأخيرة التي قام بها مصطفى لخصم وعبد الصمد عرشان إلى مدينة الصويرة، للمشاركة في تجمع تواصلي مع مناضلات ومناضلي الحزب بالمدينة والإقليم، قدمت صورة واضحة عن طبيعة هذا الخطاب. فقد تحدث لخصم عن واقع المدينة بعفوية كبيرة، وبحرقة توحي بحب الرجل لوطنه وللشعب المغربي، مستحضرا ما يراه من إكراهات اجتماعية واقتصادية، دون أن يتكلف لغة سياسية مصطنعة أو يختبئ خلف العبارات المنمقة.
وهي العفوية نفسها التي جعلت حديثه يصل إلى المتلقي، لأن المواطن لا يحتاج دائما إلى خطب طويلة، بقدر ما يحتاج إلى من يضع يده على مكمن الألم، ويعترف بوجود الاختلالات، ويتحدث عن انتظاراته بوضوح.
أما عبد الصمد عرشان، فيبدو أن خطابه يقوم على فكرة أساسية مفادها أن المصالح العليا للوطن، وتنمية البلاد والعباد، لا ينبغي أن تكون مجالا للمزايدات السياسية. فالمواطن، في تصوره، من حقه العيش الكريم، والتعليم الجيد، والصحة، والشغل، وهي حقوق لا يمكن تحويلها إلى أوراق للمساومة أو إلى مجال دائم للصراع الحزبي.
ومن هذه الزاوية، يلتقي الرجلان في التأكيد على أن السياسة لا تستمد قيمتها من كثرة الكلام، وإنما من قدرتها على خدمة الناس، والاقتراب من معاناتهم، والدفاع عن حقهم في حياة أفضل.
وقد يكون هذا الصدق، وهذه الصراحة، من بين الأسباب التي جعلت حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية يحظى باهتمام متزايد، خصوصا لدى فئات من المواطنين الذين فقدوا الثقة في عدد من الأحزاب الكبرى، بعد تجارب لم تحقق، في نظرهم، ما كانوا ينتظرونه من تحسين لأوضاعهم وضمان للعيش الكريم.
لكن الرهان الحقيقي لا يكمن في حجم التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا في عدد الوجوه التي تلتحق بالحزب، وإنما في القدرة على تحويل هذا الاهتمام إلى ثقة سياسية مستدامة، وإلى حضور فعلي داخل المؤسسات، وإلى برامج قابلة للتنفيذ، وإلى التزام واضح تجاه المواطنين.
فالمغاربة لا يحتاجون فقط إلى من يتحدث عن معاناتهم، بل إلى من يستطيع أن يجعل من تلك المعاناة أولوية في العمل السياسي، وأن يحول المطالب المشروعة إلى سياسات عمومية، وأن يثبت أن الاختلاف في الرؤى يمكن أن يكون مدخلا للتنافس على خدمة الوطن، لا سببا لتعطيل مصالحه.
ومن هنا، فإن تنقل لخصم وعرشان بين المدن والأقاليم، وحرصهما على التواصل المباشر مع المواطنين، قد يشكلان محاولة لإعادة الاعتبار للفعل السياسي، وإقناع الناخب بأن صناديق الاقتراع لا تزال قادرة على إحداث الفرق، متى وجد من يمثله، ويشعر بمعاناته، ويأخذ بيده.
فالمواطن لا يبتعد عن السياسة لأنه لا يهتم بمستقبل بلاده، بل لأنه يريد أن يرى في السياسة وسيلة لتحسين حياته. وحين يشعر بأن هناك من يتحدث بصدقه، ويدافع عن حقوقه، ويشاركه همومه، فإن الأمل في استعادة الثقة يصبح ممكنا.
ولعل هذا هو التحدي الأكبر أمام حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، وأمام عرشان ولخصم: أن يتحول الكلام الخارج من القلب إلى عمل يدخل إلى حياة المواطن، وأن يصبح الأمل الذي يقدمانه في لقاءاتهما وتواصلهما اليومي حقيقة يلمسها الناس في التعليم والصحة والشغل والعيش الكريم.
ففي النهاية، لا تُقاس قيمة الأحزاب بما تقوله عن نفسها، بل بما تفعله من أجل المواطنين. وحين يقترب الخطاب من الناس، ويبتعد عن المزايدات، ويقترن بالعمل والمسؤولية، فإن السياسة تستعيد معناها الحقيقي: خدمة الوطن والمواطن.