حتمية ولادة القانون الرقمي: الهندسة التشريعية الاستباقية لضبط الأمن الجنائي وحماية المنظومة المالية
بقلم: وليد مشتكي – باحث ومهتم بظهور القانون الرقمي
صوت العدالة: مكتب مراكش
تصل المنظومة القانونية المعاصرة إلى مفترق طرق تاريخي؛ حيث يقف القانون التجاري والقانون الجنائي وقانون المال والأعمال عاجزة في صيغها التقليدية عن مواكبة التحولات التقنية المتسارعة. إن الواقع فرض بواكير “ولادة القانون الرقمي” — كفرع أصيل ومستقل كباقي الفروع القانونية — ليُشكل قطيعة معرفية مع بطء المساطر الإثباتية، ويؤسس لعهد جديد من الحكامة التشريعية التي تجعل من الرقمنة الإلزامية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي صمام أمان للنظام العام، ودرعاً يحمي الاقتصاد الوطني ومؤسسات إنفاذ القانون.
تتجلى الإشكالية الكبرى في السيولة المعاملاتية التي تستغلها السوق السوداء. ولعل قاطرة الأجهزة الذكية المستوردة أو المتداولة — كالهواتف النقالةمثال المنسوبة للشركات الأم — تكشف حجم الخلل الهيكلي؛ حيث تُباع في غالب الأحيان خارج الأطر الرسمية وبلا فواتير مبرمة. هذا التداول غير الهيكلي يؤدي إلى انقطاع ضريبي حاد يضر بقانون المال والأعمال، ويخلق في الوقت ذاته ثغرة جنائية خطيرة؛ فعند استعمال هاتف مجهول الهوية الرقمية في عمل إجرامي، تنقطع “حلقة الوصل الإثباتية” بين أداة الجريمة، والبائع الأصلي، والمجرم المستعمل، مما يترك الضابطة القضائية أمام انسداد مسطري معقد.
وهنا تبرز الفعالية الفتاكة لـ ولادة القانون الرقمي؛ إذ يفرض هذا القانون تخصيص “رقم فوترة رقمي موحد ومربوط برقم تسلسلي آلي” لكل وسيلة استعمال أو جهاز إلكتروني، يُسجل في قاعدة بيانات سيادية منذ لحظة دخوله أو تصنيعه إلى حين وصوله للمستهلك النهائي. إن هذا التوثيق الرقمي المطلق يعطي للسلعة وجودها الشرعي، بينما يُسقط تلقائياً القيمة التشغيلية والاقتصادية لأي جهاز غير مصرح به أو مسروق، مما يُبطل دافع السرقة تجريدياً ويجعل محاولة تصريفه أو شرائه من طرف محلات السوق السوداء مسألة مستحيلة تقنياً وجريمة قائمة أركانها قانوناً.
ولا يقتصر هذا المنطق الرقمي على إعادة ضبط مساطر الإثبات الجنائي والتجاري فحسب، بل يمتد ليرسي في الذهنية الجماعية لكل المتبايعين عقلية “الردع الاستباقي”. فالقانون الرقمي المستقبلي يعتبر أن كل من يساهم في بيع أو شراء أو تداول جهاز خارج سلسلة التتبع الموثقة، يعمد مباشرة إلى المساس بالنظام العام والإضرار بالاقتصاد الوطني. فالمعاملات غير المصرح بها تتجاوز كونها تفاصيل تجارية بسيطة لتبلغ درجة الجريمة الاقتصادية المتمثلة في الانقطاع الضريبي، وخلق أسواق موازية تُضعف المالية العامة للدولة. وبناءً عليه، يصبح كل طرف في هذه السلسلة — أكان بائعاً أم مشترياً — متضامناً في المسؤولية ومساهماً في الخطر الجنائي، مما يقضي نهائياً على الممارسات العشوائية ويضع حماية الاقتصاد والأمن القومي في مقدمة أولويات التشريع الرقمي.
تأتي هذه الولادة التشريعية لتشكل سنداً أمنياً وإنسانياً متيناً لجهاز الدرك الملكي وجهاز الشرطة وكافة السلطات الساهرة على إنفاذ القانون. ففي النظام التقليدي، تقع الضابطة القضائية تحت إرهاق عملي وضغط مسطري وأخلاقي شديد أثناء تعقب هويات وهمية أو هواتف غير مسجلة، مما يضطرها لاستنفاد وقت وجهد كبيرين في تحريات معقدة أو اللجوء لتدابير الاحتجاز والردع للحفاظ على الخيط الإثباتي. وبولادة هذا القانون الرقمي، تنتهي حقبة “تتبع السراب”؛ حيث تضمن الفوترة الرقمية الموحدة لهي واحدة من بعض الحلول التي لها حجية قاطعة ودليلاً آلياً فورياً يُعفي الأجهزة الأمنية من التخبط المسطري، ويُسرع وتيرة الأبحاث الجنائية، ويحفظ حريات الأفراد وحقوقهم من التجاوز.
وعلى المستوى المالي، يُحدث هذا القانون إصلاحاً ضريبياً وجبائياً بنيوياً؛ إذ إن ربط كل عملية تداول برقم فوترة رقمي يمنع تسرب الأموال نحو الاقتصاد غير الهيكلي، ويضمن الشفافية الكاملة في تحصيل المستحقات المالية للدولة، مما يغلق منافذ التهرب الضريبي ويعيد هيكلة قانون المال والأعمال على قواعد الصلابة والعدالة التجارية.
إن التقعيد لهذا القانون يستند إلى الحكمة الأزلية المستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية، والتي جعلت من كتابة العقود وتوثيق المعاملات أصلًا أصولياً لقطع دابر النزاع وحماية الحقوق، كما جاء في القرآن الكريم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ» البقرة: 282. وتتجلى الرؤية الفقهية الحديثة في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتقنيات الرقمنة الذكية ليست في جوهرها إلا تكملة وتوضيحاً وتنفيذاً عمقياً لما جاء به الكتاب والسنة من مقاصد وأحكام؛ فالذكاء الاصطناعي يُجسد الآلية العصرية لتفعيل أصل التوثيق والإشهاد وإحقاق الحق، ومحاصرة الفساد والظلم المالي قبل حدوثه. ومن هذا المنطلق المقاصدي، يتدخل الاجتهاد القضائي لاستقراء روح النص الرقمي وتكييف الوقائع المستحدثة، مستنبطاً أحكامه من الغايات الكبرى للتشريع في حفظ الدين، النفس، العقل، المال، والنظام العام.
إن ولادة القانون الرقمي باتت ضرورة حتمية لإحداث الطفرة النوعية المنشودة؛ فهو الكفيل بسد الفجوات الجنائية، وضبط الإيقاع التجاري والمالي، وتحصين أجهزة إنفاذ القانون من الاستنزاف، ليكون حجر الزاوية في بناء دولة القانون والمؤسسات في العصر الرقمي.
قمنا:بتأطير إجرائي-إختيار “الهاتف النقال”كنمودج تطبيقي معياري يسري لحكم العلة والمقصد على كافة الاجهزة والوسائط الالكترونية.لتأكيد حتمية الانتقال نحو العدالة الرقميةالاستباقية الخوارزمية تحمي المنظومة المالية والامنية بشموليتها.