آراء وأقلام

على خط النار: منار السليمي يشتكي من «الذباب الإلكتروني لحزب المصباح»لكن ماذا عن مضمون التحليل؟

بقلم: حسن نطير
يشتكي منار السليمي من حملات التبليغ التي تستهدف قناته على موقع يوتيوب، ويربطها، في حديثه، بما يسميه «الذباب الإلكتروني» التابع لحزب العدالة والتنمية. غير أن تحويل النقاش من مضمون ما يقدمه إلى هوية من ينتقده قد يحجب السؤال الأهم: هل الانتقادات الموجهة إلى بعض تحليلاته ناتجة فقط عن خصومة سياسية، أم أن جزءاً منها يرتبط فعلاً بمضمون تلك التحليلات وبمدى انسجامها مع الوقائع؟
وهنا أجد من الضروري توضيح موقفي بشكل لا لبس فيه: أنا أختلف مع حزب العدالة والتنمية اختلافاً جوهرياً وجملة وتفصيلاً، ولا أتفق مع خطه السياسي أو مواقفه، ولا أتحرك في انتقادي لمنار السليمي من أي خلفية حزبية مرتبطة بحزب المصباح. ولذلك فإن ربط كل نقد يوجه إليه بالعدالة والتنمية أو بما يسميه «الذباب الإلكتروني» لا يعكس بالضرورة حقيقة دوافع جميع المنتقدين.
موقفي أبسط وأكثر وضوحاً: أنا أنتقد المحتوى، وأركز تحديداً على ما أعتبره تضليلاً أو مبالغة في بعض القراءات التي يقدمها السليمي للأحداث الدولية، خصوصاً عندما تتحول التقديرات السياسية والاستراتيجية إلى أحكام نهائية وقطعية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك حديثه عن «انتهاء إيران» باستعمال جحاظة العينين وسلاطة اللسان ،فهذا النوع من الأحكام لا يمكن أن يمر كجملة عابرة، لأنه يتضمن استنتاجاً استراتيجياً كبيراً يحتاج إلى مؤشرات واضحة: هل المقصود انتهاء إيران كدولة؟ أم سقوط نظامها؟ أم انهيار قدرتها العسكرية؟ أم فقدان نفوذها الإقليمي؟ أم عجزها عن التأثير في معادلات المنطقة؟
فالوقائع اللاحقة لا تبدو منسجمة بسهولة مع القراءة التي تختزل المشهد في «انتهاء إيران». فقد أظهرت طهران استمرار قدرتها على الحضور والتأثير، وعلى استخدام أوراقها الاستراتيجية في المنطقة، فيما ظل أمن الخليج ومضيق هرمز من أبرز عناصر الضغط في المواجهة، الأمر الذي جعل الأزمة تتجاوز حدودها العسكرية المباشرة إلى تداعيات اقتصادية وطاقة ذات بعد عالمي.
وبصرف النظر عن اختلاف التوصيفات السياسية للمواجهة، فإن إحدى الحقائق التي لا يمكن تجاهلها هي أن أي اضطراب في منطقة الخليج أو في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز ينعكس سريعاً على أسواق النفط والطاقة، وبالتالي على اقتصادات الدول المستوردة للطاقة، ومن بينها المغرب. وإذا أدت المواجهة إلى اضطراب واسع في سوق الطاقة وارتفاع الأسعار، فإن ذلك يعني أن الطرف الإيراني، مهما كانت الخسائر التي تكبدها، لم يفقد بالضرورة كل أدوات التأثير في المشهد الدولي.
وهنا تحديداً تظهر أهمية مراجعة الأحكام القطعية. فالقول إن إيران «انتهت» يفترض أن الواقع قد حسم المسألة، بينما استمرار الأزمة وتداعياتها الإقليمية والدولية يدل على أن الملف الإيراني ما يزال مفتوحاً، وأن موازين القوة والضغط والتفاوض لم تستقر بصورة نهائية.
أما الحديث عن مواجهة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة ودول أخرى من جهة ثانية، فينبغي أن يخضع بدوره لتحليل متوازن بعيداً عن الشعارات. فلا يكفي إعلان النصر أو الهزيمة من طرف واحد؛ بل يجب قياس النتائج وفق الأهداف التي أعلنتها الأطراف، وحجم الخسائر، والقدرة على مواصلة العمليات، والنتائج السياسية، والتداعيات الاقتصادية، وما إذا كانت المواجهة قد أدت فعلاً إلى تغيير جوهري في موازين القوى.
ومن هذه الزاوية، فإن استمرار قدرة إيران على الصمود وامتلاك أوراق ضغط استراتيجية، وما أفرزته الأزمة من اضطراب في أسواق الطاقة، يطرح علامات استفهام جدية حول بعض الأحكام التي تعاملت مع الملف الإيراني باعتباره قد حُسم نهائياً.
أما أنا، فلم أبلغ عن قناة منار السليمي، ولم أشارك في أي حملة إلكترونية ضده، وإنما اخترت مقاطعة متابعته لأنني لم أعد مقتنعاً بجزء من محتواه التحليلي. وهذا موقف شخصي مشروع لا علاقة له بحزب العدالة والتنمية، الذي أختلف معه جوهرياً وجملة وتفصيلاً.
إن النقد الجاد لا يستهدف الأشخاص، وإنما يختبر الأفكار أمام الوقائع. ومن يتصدى لتحليل الأحداث الدولية، خصوصاً من موقع أكاديمي أو استراتيجي، يتحمل مسؤولية أكبر في ضبط المصطلحات، والتمييز بين المعلومة والاستنتاج، وبين السيناريو المحتمل والحكم النهائي.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس فقط: من يبلّغ عن قناة منار السليمي؟ وإنما أيضاً: لماذا لا نناقش مضمون ما يقدمه؟ وهل أثبتت الأحداث فعلاً صحة بعض أحكامه القطعية، أم أنها فرضت إعادة النظر فيها؟
فالتحليل الاستراتيجي لا يقاس بحدة الخطاب ولا بالثقة في إطلاق التوقعات، وإنما بقدرته على الصمود أمام اختبار الواقع. والوقائع، في نهاية المطاف، هي التي تمنح التحليل مصداقيته أو تسحبها منه.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.