غياب حمزة عن مباراة واحدة يفجّر غضب الإعلام المصري ويعيد جدل ” أول عربي في برشلونة”
صوت العدالة- عبد السلام اسريفي
مباشرة بعد إسدال الستار على مباراة برشلونة أمام إلتشي في الجولة الأولى من الدوري الإسباني، والتي انتهت بفوز الفريق الكتالوني، خرجت أصوات من الإعلام المصري وبعض المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي في موجة من الانتقاد لمدرب برشلونة الألماني هانري فليك، بسبب عدم إشراك اللاعب المصري حمزة عبد الكريم، معتبرين أن الأخير كان الأحق بالظهور فوق أرضية الملعب، بل ذهب بعضهم إلى مقارنته بلاعبين آخرين في الفريق، من بينهم البرازيلي رافينيا والألماني كريم ، وكأن قرار التشكيلة أصبح شأناً وطنياً مصرياً أكثر منه قراراً فنياً يخص مدرب برشلونة.
المشكلة هنا ليست في الدفاع عن لاعب مصري أو الاحتفاء بموهبة عربية، فهذا حق مشروع، بل في الطريقة التي تحولت بها المسألة إلى خطاب إعلامي يوحي بأن برشلونة ارتكب خطيئة كبرى بمجرد عدم إشراك لاعب لم يمض وقت طويل على وصوله إلى أجواء الفريق الأول.
الأكثر إثارة للاستغراب هو الحديث المتكرر عن أن حمزة عبد الكريم يمثل “أول لاعب عربي في تاريخ برشلونة”، وهي معلومة لا تصمد أمام أبسط عملية بحث في تاريخ النادي الكتالوني.
فبرشلونة سبق أن حمل قميصه لاعبون عرب أو من أصول عربية، من بينهم المغربي إبراهيم أفلاي، ومنير الحدادي، وعبد الصمد الزلزولي، وشادي رياض، وإلياس أخوماش، فضلاً عن أسماء أخرى ارتبطت بمسار النادي أو فئاته المختلفة. أما لامين يامال، الذي أصبح أحد أبرز نجوم برشلونة والعالم، فهو أيضاً من أصول مغربية ويحمل الهوية الكروية الإسبانية.
وبالتالي، فإن تقديم حمزة عبد الكريم باعتباره “أول عربي يطرق باب برشلونة” ليس سوى اختزال مخل لتاريخ طويل من حضور اللاعبين العرب والمغاربة داخل النادي الكتالوني.
من حقهم أن يفرحوا… لكن ليس من حقهم إعادة كتابة التاريخ
من الطبيعي أن يفرح الإعلام المصري بأي موهبة مصرية تصل إلى نادٍ بحجم برشلونة. ومن الطبيعي أيضاً أن يحلم الجمهور المصري برؤية حمزة عبد الكريم بقميص الفريق الأول، وأن يطالب بمنحه فرصاً أكبر.
لكن كرة القدم لا تُدار بمنطق الجنسية.
المدرب لا يختار اللاعب لأنه مصري أو مغربي أو برازيلي أو ألماني، وإنما وفق قناعته الفنية، وحاجته إلى اللاعب في مباراة معينة، ومدى جاهزيته، وطبيعة المنافس، وخياراته التكتيكية.
وإذا كان حمزة يمتلك الإمكانيات التي يتحدث عنها الإعلام المصري، فإن الملعب هو المكان الذي سيثبت فيه ذلك، وليس الاستوديوهات التلفزيونية أو صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.
أما تحويل عدم إشراكه في مباراة واحدة إلى قضية تحيز ضد المصريين أو العرب، فهو نوع من المبالغة التي لا تخدم اللاعب نفسه، بل قد تضع عليه ضغطاً إعلامياً مبكراً لا يحتاجه في بداية مشواره.
وهل أصبحت مصر وحدها تمثل الكرة العربية؟
الأغرب من ذلك أن بعض الخطابات الإعلامية المصرية تتعامل أحياناً مع وصول لاعب مصري إلى أوروبا وكأنه اكتشاف للكرة العربية من الصفر، متناسية أن شمال إفريقيا، والمغرب تحديداً، قدم خلال السنوات الأخيرة مجموعة كبيرة من اللاعبين الذين بلغوا أعلى المستويات الأوروبية.
فمن حكيم زياش وأشرف حكيمي إلى إبراهيم أفلاي ومنير الحدادي وعبد الصمد الزلزولي وشادي رياض وإلياس أخوماش، وصولاً إلى لامين يامال، هناك حضور مغربي واضح في منظومة كرة القدم الأوروبية، ولا يحتاج إلى شهادة من أي إعلام عربي.
كما أن تاريخ الكرة العربية نفسه أكبر من أن تختصره دولة واحدة.
مصر لها تاريخها الكبير وإنجازاتها، والمغرب له مساره وإنجازاته، والجزائر وتونس والسعودية والعراق وغيرها من الدول العربية ساهمت بدورها في صناعة تاريخ الكرة العربية.
أما منطق “نحن أسياد الكرة ومافيش زينا”، فهو يصلح للهتاف في المدرجات، لكنه لا يصلح عندما يتعلق الأمر بقراءة تاريخ كرة القدم وتحليل واقعها.
حمزة يحتاج إلى الهدوء لا إلى الضجيج
حمزة عبد الكريم أمام فرصة كبيرة لصناعة اسمه داخل واحد من أكبر أندية العالم. والأفضل بالنسبة إليه أن يحصل على الوقت والهدوء والعمل، وأن يترك قدميه تتحدثان فوق أرضية الملعب.
فإذا أقنع المدرب بمستواه، سيحصل على فرصته عاجلاً أم آجلاً، وإذا أثبت أنه يستحق مكاناً أساسياً، فلن تكون جنسيته عائقاً أمامه.
أما تحويل كل دقيقة يجلس فيها على مقاعد البدلاء إلى معركة بين مصر وبرشلونة، أو بين العرب والأوروبيين، فلن يفيد اللاعب في شيء.
كرة القدم في النهاية لا تعترف بالصراخ الإعلامي، ولا بجواز السفر، ولا بالضجيج على مواقع التواصل الاجتماعي.
الملعب وحده هو الحكم.
ومن حق الإعلام المصري أن يحتفي بحمزة عبد الكريم، وأن يحلم له بمسيرة كبيرة في برشلونة، لكن ليس من حقه أن يمحو أسماء لاعبين عرب ومغاربة سبقوه إلى النادي، ولا أن يحول قراراً فنياً عادياً إلى قضية قومية.
فبرشلونة أكبر من أن يُختزل في جنسية لاعب، وتاريخ الكرة العربية أكبر من أن يُختصر في بلد واحد، والموهبة الحقيقية لا تحتاج إلى سعار إعلامي كي تثبت وجودها.