موسم الرقصات السياسية.. حين تتحول الانتخابات إلى موسم للتواضع والوعود
صوت العدالة- عبد السلام اسريفي
ما إن تقترب الاستحقاقات الانتخابية التشريعية أو الجماعية، حتى تطفو على السطح بعض السلوكيات التي لا تظهر بالحدة نفسها خارج الموسم الانتخابي. ومن أبرزها ذلك التحول اللافت في سلوك بعض المنتخبين والمرشحين، حيث يحلّ التواضع المفاجئ محلّ المسافة المعتادة، وتكثر المصافحات والقبلات، وتُوزَّع الوعود بسخاء، فيما تتكرر العبارات التي تؤكد أن خدمة المواطن والدفاع عن مصالحه هي الغاية الأولى والأخيرة.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تتحول بعض المناسبات الشعبية والمهرجانات إلى فضاءات لاستعراض غير مألوف، حيث يحرص بعض المتنافسين على الظهور وسط المواطنين، بل والمشاركة أحياناً في رقصات شعبية على إيقاع الفرق الفلكلورية، في مشهد يكاد يتكرر مع كل موسم انتخابي.
ومن هنا يطرح السؤال نفسه: هل أصبحت الرقصات الشعبية جزءاً من الحملات الانتخابية غير المعلنة؟ وهل صار التقرب من الناخبين في المناسبات الاجتماعية والثقافية وسيلة لاستمالة أصواتهم أكثر منه تعبيراً عفوياً عن الاندماج في الحياة العامة؟
لا يتعلق الأمر هنا برفض الفرح أو الاحتفال أو المشاركة في الموروث الشعبي، فذلك جزء أصيل من الحياة الاجتماعية والثقافية للمغاربة. وإنما الإشكال يكمن عندما تتحول المشاركة إلى سلوك موسمي، لا يظهر إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع، فيبدو المرشح وكأنه يتخلى مؤقتاً عن صورته المعتادة ليصنع لنفسه شخصية أكثر قرباً من الجمهور، وأكثر قدرة على استدرار التعاطف واستمالة الناخب.
وفي علم الاجتماع السياسي، يمكن قراءة مثل هذه السلوكيات ضمن آليات التواصل الرمزي بين السياسي والجمهور، حيث تُستثمر الإشارات والحركات والمظاهر الشعبية لبناء صورة معينة لدى الناخب. غير أن خطورة الأمر تبدأ عندما يصبح الشكل بديلاً عن المضمون، والاستعراض بديلاً عن الحصيلة، والوعود بديلاً عن البرامج القابلة للتنفيذ.
فالمواطن لا يحتاج إلى مسؤول يشاركه الرقص في موسم انتخابي بقدر ما يحتاج إلى منتخب يشاركه همومه طيلة الولاية الانتدابية. ولا يحتاج إلى وعود تتكرر مع كل استحقاق، وإنما إلى حصيلة واضحة يمكن قياسها ومحاسبته عليها.
لقد آن الأوان للانتقال من سياسة الصورة إلى سياسة الإنجاز، ومن مخاطبة العواطف إلى مخاطبة العقول، ومن بناء الشعبية على اللحظة العابرة إلى بناء الثقة على أساس العمل والاستمرارية والنتائج.
فإلى متى ستظل بعض هذه السلوكيات تغزو مناسباتنا وأعيادنا ومهرجاناتنا كلما صادف توقيتها موسم الانتخابات؟ ومتى نرتقي بخطابنا السياسي، كما بسلوكنا الانتخابي، إلى مستوى يجعل الحصيلة هي التي تتحدث عن المنتخب، ويجعل التاريخ هو الحكم على تجربته؟
أليس من الأجدى أن يحافظ السياسي على شخصيته الحقيقية، وأن يخاطب المواطنين بواقعية ووضوح، بدل صناعة شخصية انتخابية مؤقتة تنتهي بانتهاء موسم الاقتراع؟
إن الثقة لا تُبنى برقصة عابرة، ولا بابتسامة موسمية، ولا بوعد انتخابي قابل للنسيان، وإنما تُبنى بالعمل، والصدق، والوفاء بالالتزامات، والقدرة على تقديم حصيلة تستحق أن تُعرض أمام الناخبين.
ولعل ما نحتاجه اليوم ليس محاربة الفرح الشعبي ولا انتقاد المشاركة في الموروث الثقافي، وإنما طرح نقاش جاد حول حدود العلاقة بين السياسة والاستعراض، وبين التواصل الحقيقي والمزايدة الانتخابية، حتى لا تتحول المناسبات العامة إلى منصات مؤقتة لتلميع الصور، بينما يبقى المواطن ينتظر الأفعال.
فالانتخابات ليست موسماً للرقصات السياسية، بل موعداً للمحاسبة والاختيار، ومناسبة لتقييم ما تحقق، وما لم يتحقق، وما يمكن أن يتحقق مستقبلاً. وفي النهاية، تبقى القاعدة الأهم: الحصيلة أولاً، والكلام بعدها، والتاريخ لا يحتفظ إلا بما أنجزه أصحاب المسؤولية.