آراء وأقلام

البرلماني في ميزان الدستور.. تشريعٌ ورقابةٌ أم مجرد تمثيل للساكنة؟

صوت العدالة- عبد السلام اسريفي

في النظام الدستوري المغربي، البرلماني ليس مجرد ممثل انتخابي للساكنة، وإنما هو عضو في مؤسسة دستورية تمارس التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية. ويمكن تحديد دوره انطلاقاً من دستور 2011 والقوانين التنظيمية المؤطرة لمجلسي البرلمان.

  1. الأساس الدستوري لدور البرلماني
    ينص الفصل 60 من الدستور على أن البرلمان يتكون من مجلس النواب ومجلس المستشارين، وأن أعضاءه يستمدون ولايتهم من الأمة، وحقهم في التصويت شخصي لا يمكن تفويضه. كما يحدد الدستور مدة ولاية مجلس النواب في خمس سنوات.

    أما الفصل 70 فيحدد الوظائف الأساسية للبرلمان في ثلاث مهام كبرى:
    التشريع؛
    مراقبة عمل الحكومة؛
    تقييم السياسات العمومية.
    وبالتالي، فإن البرلماني يمارس وظيفته أساساً داخل هذه المجالات الثلاثة.
  2. الدور التشريعي
    البرلماني يساهم في سن القوانين من خلال:
    مناقشة مشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة؛
    تقديم مقترحات القوانين؛
    اقتراح تعديلات على النصوص؛
    مناقشة النصوص داخل اللجان الدائمة؛
    التصويت على القوانين في الجلسات العامة.
    وقد حدد الفصل 71 من الدستور المجالات التي يختص القانون بتنظيمها، ومنها الحقوق والحريات الأساسية، الأسرة والحالة المدنية، المنظومة الصحية، الصحافة، الجرائم والعقوبات، التنظيم القضائي، الوظيفة العمومية وغيرها.
    وهنا تظهر أهمية البرلماني في تحويل مطالب المجتمع إلى قواعد قانونية، وليس فقط نقل الشكايات الفردية.
  3. مراقبة الحكومة
    هذه من أهم الوظائف التي يمنحها الدستور للبرلماني.
    وتتم الرقابة من خلال عدة آليات، من أبرزها:
    الأسئلة الشفوية؛
    الأسئلة الكتابية؛
    مناقشة السياسات الحكومية؛
    طلب توضيحات من الوزراء؛
    اللجان البرلمانية؛
    لجان تقصي الحقائق وفق الشروط الدستورية والقانونية؛
    ملتمس الرقابة بالنسبة لمجلس النواب وفق الشروط الدستورية.
    فالبرلماني يستطيع مثلاً مساءلة وزير عن تعثر مشروع عمومي، أو نقص في الماء، أو وضعية المستشفيات، أو مشاكل الطرق، أو التعليم، أو التشغيل، لكن يجب التمييز بين السؤال البرلماني وبين التدخل الإداري المباشر.
  4. تقييم السياسات العمومية
    دستور 2011 أعطى هذه الوظيفة أهمية صريحة عندما نص الفصل 70 على أن البرلمان يقيم السياسات العمومية.

    وهذا يعني أن دور البرلماني لا ينتهي بمجرد التصويت على القانون أو توجيه سؤال إلى الوزير، بل يمكنه أن يبحث في:
    هل السياسة الحكومية حققت أهدافها؟
    هل الأموال العمومية استعملت بالشكل المطلوب؟
    هل استفاد المواطنون فعلاً من البرامج؟
    ما هي نتائج المشاريع الحكومية؟
    وهذه الوظيفة تجعل البرلماني شريكاً في تقييم أداء الدولة وليس مجرد مراقب سياسي.
  5. تمثيل المواطنين
    البرلماني منتخب عن المواطنين، ولذلك فإن وظيفته السياسية تقتضي الاستماع إلى انشغالات المواطنين والدفاع عن القضايا ذات الطابع العام داخل المؤسسة التشريعية.
    لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة:
    البرلماني ليس مسؤولاً إدارياً ولا رئيساً للجماعة ولا عاملاً أو والياً.
    لذلك لا يملك، لمجرد صفته البرلمانية، سلطة إصدار الأوامر للوزارات أو الجماعات الترابية أو الإدارات، ولا يمكنه أن يحل محل السلطة التنفيذية في تدبير المرافق العمومية.
    دوره هو المساءلة والتشريع والاقتراح والرقابة والتقييم.
  6. دور البرلماني داخل اللجان
    اللجان البرلمانية تشكل جزءاً أساسياً من العمل البرلماني، لأنها تتيح دراسة مشاريع ومقترحات القوانين بتفصيل، والاستماع إلى الوزراء والمسؤولين ومناقشة مختلف القضايا المرتبطة باختصاص اللجنة.
    كما أن النظام الداخلي لكل مجلس ينظم قواعد عمل الفرق والمجموعات البرلمانية، وحقوق المعارضة، وواجبات الأعضاء، والمشاركة في أعمال اللجان والجلسات العامة.
  7. الفرق بين البرلماني والمنتخب المحلي
    هذه نقطة مهمة جداً في تقييم أداء البرلماني:
    البرلماني
    المنتخب المحلي
    يمارس التشريع
    يمارس اختصاصات الجماعة/الجهة وفق القانون
    يراقب الحكومة
    يدبر الشأن الترابي
    يسائل الوزراء
    يتابع تنفيذ المشاريع المحلية
    يقيم السياسات العمومية
    يشارك في اتخاذ القرارات المحلية
    يمثل الأمة داخل البرلمان
    يمثل السكان داخل المجلس الترابي
    لذلك، لا يصح قانونياً تحميل البرلماني مسؤولية تنفيذ مشروع يدخل حصراً في اختصاص جماعة ترابية أو وزارة أو مؤسسة عمومية، لكن يمكن مساءلته سياسياً عن مدى استعماله للأدوات البرلمانية للدفاع عن القضية.
  8. القوانين التنظيمية المؤطرة
    إلى جانب الدستور، توجد قوانين تنظيمية تؤطر المؤسسة البرلمانية، ومن بينها القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب والقانون التنظيمي رقم 28.11 المتعلق بمجلس المستشارين، إضافة إلى النصوص المنظمة للعرائض والملتمسات في مجال التشريع. وتوفر الأمانة العامة للحكومة النصوص القانونية الموطدة ذات الصلة.
    كما أن القانون التنظيمي رقم 64.14 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم الملتمسات في مجال التشريع يتيح، وفق شروط محددة، تحويل بعض المطالب ذات الطابع التشريعي إلى مسار برلماني، ويمكن لأعضاء المجلس تبني ملتمس مقبول واعتماده أساساً لتقديم مقترح قانون.
    الخلاصة
    يمكن اختصار دور البرلماني المغربي في المعادلة التالية:
    المواطنون → انتخاب البرلماني → التشريع + الرقابة على الحكومة + تقييم السياسات العمومية + الدفاع عن القضايا العامة → مساءلة الحكومة أمام البرلمان.
    وبالتالي، فإن تقييم برلماني معين لا ينبغي أن يعتمد فقط على عدد اللقاءات التواصلية أو الصور أو الحضور في المناسبات، وإنما يمكن قياس أدائه بشكل موضوعي من خلال:
    عدد الأسئلة التي طرحها وجودتها؛
    طبيعة القضايا التي أثارها؛
    مقترحات القوانين التي تقدم بها أو ساهم فيها؛
    التعديلات التي اقترحها؛
    حضوره ومشاركته في اللجان والجلسات؛
    مساهمته في مراقبة الحكومة؛
    مساهمته في تقييم السياسات العمومية؛
    مدى دفاعه عن القضايا التي تهم الدائرة الانتخابية؛
    مدى تحويل مطالب المواطنين إلى أسئلة ومقترحات ومبادرات برلمانية فعلية.

  9. هل مشاكل الساكنة تدخل في اهتمام البرلماني ؟ ،

نعم ، مشاكل الساكنة تدخل في اهتمام البرلماني ، لكن ليس باعتباره مسؤولاً عن تدبيرها بشكل مباشر.
دستورياً، البرلماني يمثل الأمة، ويمارس أساساً التشريع، ومراقبة عمل الحكومة، وتقييم السياسات العمومية. لذلك عندما تكون هناك مشكلة لدى الساكنة مرتبطة باختصاص الحكومة أو مؤسسة عمومية، يمكن للبرلماني أن يتدخل عبر:
توجيه أسئلة كتابية وشفوية إلى الوزراء.
إثارة القضية داخل اللجان البرلمانية.
تقديم مقترحات قوانين أو تعديلات إذا كانت المشكلة تحتاج إلى تشريع.
المطالبة بتدخل الحكومة في قضايا مثل الماء، الصحة، التعليم، الطرق، النقل، التشغيل وغيرها.
متابعة تنفيذ البرامج والسياسات العمومية وتقييم نتائجها.
لكن هناك فرق مهم: البرلماني لا يملك سلطة تنفيذية، فلا يستطيع مثلاً أن يأمر جماعة أو وزارة بإصلاح طريق أو بناء مستشفى. دوره هو إثارة المشكلة، ومساءلة الجهة الحكومية المختصة، واقتراح الحلول ومتابعة السياسات العمومية.
وبالتالي، يمكن القول صحفياً:
مشاكل الساكنة من صميم الاهتمام السياسي للبرلماني، لكن معالجتها لا تدخل بالضرورة ضمن صلاحياته التنفيذية.
وهذا التفريق مهم جداً عند تقييم أداء أي برلماني: هل اكتفى بالاستماع إلى شكايات المواطنين، أم حوّلها إلى أسئلة ومبادرات ومواقف داخل البرلمان؟

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.