آراء وأقلام

حرب الرواية… عندما تتحول منصات التواصل إلى سلاح ضد استقرار الدول

بقلم: عبد السلام اسريفي
لم تعد الحروب في عصرنا تُخاض بالدبابات والطائرات وحدها، بل أصبحت تُدار أيضاً عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تُصنع الأخبار، وتُفبرك الصور، وتُوجَّه الحملات الإلكترونية لتشكيل الرأي العام وإرباك المجتمعات. والمغرب، بما حققه من حضور إقليمي ودولي متزايد، لم يعد بمنأى عن هذا النوع من الاستهداف.
فخلال الأيام الأخيرة، شهد الفضاء الرقمي موجة غير مسبوقة من الحسابات والصفحات التي تتحدث بلسان مغربي، وتستعمل أسماء وصوراً مغربية، بينما تروج لمضامين تتسم بالتحريض، ونشر الإشاعات، وبث اليأس وفقدان الثقة في المؤسسات. إنها معركة رواية بامتياز، يكون فيها المواطن البسيط أول المستهدفين.
ليس من قبيل الصدفة أن تتزامن هذه الحملات مع محطات يعرف فيها المغرب زخماً سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً، سواء من خلال جلب الاستثمارات، أو تعزيز شراكاته الدولية، أو ترسيخ حضوره في إفريقيا، وأوربا ، أو استعداده لاحتضان تظاهرات رياضية عالمية. فكل نجاح يحققه المغرب يقابله، في المقابل، خطاب رقمي يسعى إلى التقليل منه أو تشويهه أو تحويل أي حادث معزول إلى أزمة وطنية، خاصة من قبل الجارة الشرقية واليمين المتطرف بأوربا.
كما أن الطريقة التي واكبت بها بعض المنابر الإعلامية الأجنبية أحداث سبتة الأخيرة،أقصد بها الاعلام الاسباني والجزائري، إلى جانب الانتشار الواسع للمحتويات المضللة على مواقع التواصل، والأرقام المبالغ فيها للعابرين للحدود، تؤكد أن معركة الصورة أصبحت جزءاً أساسياً من الصراع على التأثير في الرأي العام. ولا يعني ذلك أن كل الانتقادات مرفوضة، فالنقد الموضوعي ضرورة لأي مجتمع، لكن الفرق كبير بين النقد المسؤول وبين حملات التضليل والتأجيج التي تستهدف زعزعة الثقة ونشر الفوضى الرقمية.
إن أخطر ما في هذه الحرب أنها تراهن على سرعة انتشار المعلومة الكاذبة، وعلى انفعال المتلقي قبل تحققه من المصدر. لذلك، فإن المسؤولية اليوم لا تقع على الدولة وحدها، بل تمتد إلى الإعلام المهني، والنخب، والفاعلين المدنيين، والمؤثرين، وكل مواطن يضغط زر “مشاركة” دون أن يتأكد من صحة ما ينشر.
إن حماية الوطن لم تعد تقتصر على حماية حدوده، بل تشمل أيضاً حماية وعي مواطنيه. فالمعركة اليوم هي معركة وعي، والرهان الحقيقي هو بناء مجتمع يميز بين الخبر والدعاية، وبين الحقيقة والتضليل، وبين النقد البناء والحرب النفسية.
قد تختلف الآراء حول السياسات والاختيارات، وهذا أمر طبيعي، لكن لا ينبغي أن يتحول الاختلاف إلى بوابة تستغلها حملات التضليل لضرب الاستقرار وإثارة البلبلة. فالدفاع عن الحقيقة، والاحتكام إلى المصادر الموثوقة، واليقظة الرقمية، أصبحت اليوم مسؤولية وطنية لا تقل أهمية عن أي واجب آخر.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.