آراء وأقلام

الاتحاد الأوروبي يختبر ولاءه لإسبانيا وشراكته مع المغرب في سبتة المحتلة.

بقلم: الدكتور عبدالرحيم موهوب.

“إن السلطة لا تكمن في القدرة على إجبار الآخر على الطاعة، بل في القدرة على جعله يتوق إلى طاعتك”.

بهذه المقولة العميقة للفيلسوف ميشيل فوكو يمكننا أن نقترب من فهم ما جرى في ذلك الاجتماع الاستثنائي الذي عقده وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي لمناقشة التدفق غير المسبوق للمهاجرين نحو مدينة سبتة، حيث تحولت هذه الأزمة الحدودية من مجرد حادثة أمنية عابرة إلى مختبر حقيقي لاختبار آليات السلطة الناعمة والصلبة في آن معا، وكشفت عن التحولات الجوهرية في بنية العلاقات الدولية، حيث تتداخل المصالح الاستراتيجية مع أوراق الضغط، وتصبح ظاهرة الهجرة أداة تفاوض وعنوانا لاختبار مدى قدرة المؤسسات الأوروبية على التماسك في وجه أزمات حدودها الخارجية.

فما جرى في ذلك الاجتماع وما سبقه من موجة عبور شارك فيها نحو 60 ألف شخص خلال أيام معدودات، لم يكن مجرد رد فعل على طارئ أمني، بل كان بمثابة كشف لطبقات عميقة من التوترات الكامنة في صلب المشروع الأوروبي، وفي صلب علاقته بجيرانه الجنوبيين، حيث تحولت منطقة شنغن التي طالما مثلت رمز الوحدة الأوروبية، إلى ساحة لاختبار مدى قدرة المؤسسات على احتواء التداعيات السياسية لأزمة نشأت على بعد أميال قليلة من شواطئ القارة، وإلى مسرح لتجسيد المقولة الفوكوية التي ترى أن القوة الحقيقية تكمن في تشكيل رغبات الآخرين بما يخدم مصالحك، وهو ما أتقنته الأطراف جميعها في هذه المواجهة الدبلوماسية المعقدة.

لقد جاء الموقف الأوروبي الرسمي بتجنبه المدروس إدانة المغرب بشكل مباشر، ليعكس واقعا جيوسياسيا معقدا، يتجاوز منطق الاتهام إلى منطق إدارة التبعية المتبادلة، حيث تجلت هنا حكمة نيكولو مكيافيلي الذي قال في كتابه الأمير أن الرجل الحكيم يجب أن يبني على ما يقاومه لا على ما يهادنه، فالمغرب الذي اتهمته جهات عديدة بتخفيف الرقابة على حدوده كرسالة سياسية إلى مدريد، لم يجد نفسه في قفص الاتهام، بل على العكس لم يتم نسبة أي دور له في تفجير الأزمة، والتركيز بدلا من ذلك على شبكات تهريب المهاجرين وحملات التضليل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا الصمت الرسمي ليس وليد لحظة عابرة، بل هو نتاج تراكمي لعقود من التعاون في مجال إدارة الهجرة، جعلت من الرباط شريكا لا غنى عنه للاتحاد الأوروبي في ضبط حدوده الجنوبية.

فالمفوض الأوروبي للهجرة ماغنوس برونر، رفض التكهن بشأن دور المغرب في التدفق، بل بالعكس فقد أشاد بتعاون الرباط مع السلطات الإسبانية في إعادة المهاجرين، وهو موقف عززته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عندما وصفت المغرب بأنه شريك استراتيجي حاسم، خاصة في الجهود من أجل مكافحة تهريب المهاجرين والهجرة غير الشرعية.

وهكذا فإن عدم تحميل المغرب المسؤولية لم يكن ضعفا أو تنازلا بل اعترافا صريحا بأن أي مواجهة دبلوماسية معه قد تكلف أوروبا غاليا، ليس فقط على صعيد تدفقات الهجرة، بل أيضا على صعيد ملفات أمنية واستراتيجية أخرى، إذ أن الاتحاد الأوروبي يرى في المغرب شريكا لا يمكن الاستغناء عنه في الجهود المبذولة لضبط الحدود الجنوبية للقارة، وهذا يتسق مع رؤية بيير بورديو حول رأس المال الرمزي الذي يمتلكه المغرب في هذه المعادلة، حيث أصبحت شراكته سلعة ثمينة يتهافت عليها الأوروبيون رغم كل التوترات.

غير أن المشهد لم يقتصر على العلاقة الثنائية بين الاتحاد والمغرب، بل تعقد بشكل كبير مع بروز انقسامات حادة داخل الاتحاد نفسه، والتي تحولت إلى محور رئيسي للنقاش، وكأننا أمام مقولة جان جاك روسو عن الإرادة العامة التي تتصادم مع الإرادات الخاصة، فقد كشفت الأزمة عن تباعد في الرؤى بين الدول الأعضاء، حيث اعتبرت عدة دول وعلى رأسها إيطاليا التي علقت مؤقتا اتفاقيات السفر بدون تأشيرة مع إسبانيا، أن سياسة الحكومة الإسبانية في تسوية أوضاع المهاجرين أو عدم كفاية إجراءاتها الحدودية، قد تكون شجعت على هذا التدفق، وهذا التحول في الخطاب من محاولة اتهام المغرب إلى مراجعة السياسة الأوروبية للهجرة نفسها، يعكس أزمة ثقة أعمق داخل الاتحاد، حيث أصبحت الدول الأعضاء تنظر إلى بعضها البعض بارتياب، وتعتبر أن سياسات جارتها قد تلقي بظلالها على أمنها الداخلي.

وقد تجلى هذا الخلاف بوضوح في رسالة وجهها 22 من قادة الاتحاد إلى مدريد يطالبون فيها باتخاذ إجراءات أكثر صرامة لوقف الوصول غير النظامي، مما دفع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الرد باتهام هذه الدول بـالأنانية والانقسامية وغير القانونية في ردود أفعالها، وهكذا فإن أزمة سبتة كما وصفها المفوض برونر لم تختبر فقط صلابة الحدود الخارجية بل اختبرت أيضا تماسك الكيان الأوروبي، وأظهرت أن التضامن المعلن مع إسبانيا وإن كان ضروريا للحفاظ على ماء الوجه السياسي، إلا أنه لم ينجح في طمأنة جميع الأطراف، مما دفع البعض إلى البحث عن حلول وطنية أحادية تهدد روح منطقة شنغن ذاتها، وهو ما يذكرنا بمقولة ماكس فيبر عن العقلنة البرجوازية التي تجعل كل دولة تحسب مكاسبها الخاصة قبل أي اعتبار جماعي.

ومن هنا يمكن قراءة الرسائل السياسية التي خرج بها الاجتماع على أنها محاولة حذرة لإعادة بناء جسر من التوافق، عبر التركيز على ما هو مشترك بدلا من ما هو مختلف، وكأن الأوروبيين يستلهمون مقولة هانا أرندت عن الشرط الإنساني الذي يقوم على الفعل المشترك، فالتأكيد على دعم إسبانيا وعدم تركها تواجه الأزمة وحدها كان بمثابة غطاء سياسي لمدريد في مواجهة الانتقادات الداخلية، أما الرفض القاطع للمساس بمنطقة شنغن رغم التحركات الإيطالية، فكان رسالة واضحة بأن وحدة الفضاء الأوروبي خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وفي المقابل كان التركيز على تشديد الرقابة على الحدود الخارجية وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، بمثابة اعتراف ضمني بأن الثغرات الأمنية قائمة وأن الاتحاد بحاجة إلى تطوير أدواته لمواجهة سيناريوهات مشابهة في المستقبل، ولم يغب عن البيان الختامي أيضا التأكيد على تعزيز التعاون مع الدول الشريكة وفي مقدمتها المغرب، وهو بند يعكس الإدراك الأوروبي بأن الحلول الأمنية وحدها غير كافية، وأن الاستمرار في سياسة إسناد مراقبة الحدود للدول المجاورة هو الخيار الوحيد المتاح، حتى لو كان هذا الخيار يمنح دولا مثل المغرب مزيدا من النفوذ والقدرة.

فالمغرب الذي خرج من الاجتماع منتصرا ودون أن يحمل مسؤولية الأزمة كما كانت تطمح بعض الأطراف، واستمر الاتحاد في التأكيد على أهمية شراكة المغرب، بل واقترحت رئيسة المفوضية زيادة الدعم التقني والمالي للرباط لتعزيز قدراته في مجال الإنذار المبكر وإدارة الحدود، وهو ما يمكن اعتباره أن المغرب حقق مكسبا سياسيا مهما، إذ أثبت مرة أخرى أنه قوة وأداة فعالة في تفعيل الضغط وإعادة تعريف شروط اللعبة الدبلوماسية، وهو ما يعيد إلى الأذهان مقولة أنطونيو غرامشي عن الهيمنة الثقافية التي تتحقق عبر الإقناع لا الإكراه، حيث نجح المغرب في جعل الأوروبيين يقتنعون بأن شراكته ضرورية رغم كل شيء.

إن ما يثير القلق حقا ويتجاوز قراءة اللحظة الراهنة، هو ما يعنيه هذا المسار بالنسبة للمستقبل، حيث لم يتخذ الاجتماع قرارات تشريعية جديدة، بل مهد الطريق لمناقشات أوسع حول سياسة الهجرة الأوروبية قد تكون أكثر تشددا، فالحديث عن تشديد سياسة الإعادة وتعزيز التعاون مع دول الجوار، وإمكانية توفير موارد إضافية لحماية الحدود، يشير إلى أن الاتجاه العام يتجه نحو مزيد من التحصين والتشدد الأمني، وهو ما قد يترجم عمليا إلى سياسات أكثر قسوة تجاه المهاجرين، وإلى مزيد من التفاوض مع دول المنشأ والعبور على أسس تجارية وسياسية بحتة.

وفي هذا السياق يظل السؤال الأكبر هو كيف يمكن للاتحاد الأوروبي أن يوازن بين الحاجة إلى تعزيز أمن حدوده، وبين الحفاظ على مصداقيته في مجال حقوق الإنسان، والتعامل مع شركاء يستخدمون الهجرة كورقة ضغط؟ وكيف يمكنه أن يحافظ على تماسكه الداخلي في وجه أزمات ستتكرر حتما، طالما بقيت هشاشة المنطقة رهينة لتقلبات العلاقات الدبلوماسية؟ وهذا السؤال يذكرنا بمقولة كارل شميت عن الاستثناء الذي يكشف عن جوهر السياسي، حيث كانت أزمة سبتة استثناء كشفت عن حقيقة العلاقة بين أوروبا وجيرانها الجنوبيين، وعن حقيقة الانقسامات الداخلية الأوروبية التي تتعمق كلما اشتدت الأزمات.

وفي الخلاصة يمكن القول إن اجتماع سبتة لم يكن نهاية المطاف بل كان مجرد حلقة في سلسلة طويلة من اختبارات الإرادة والسياسة، لم ينتصر فيه أحد بشكل كامل، لا إسبانيا التي وجدت نفسها في موقف دفاعي ولا الاتحاد الأوروبي الذي أظهر وحدته لكنه كشف عن شرخ عميق في رؤيته الداخلية، لقد نجح الوزراء في إطفاء حريق اللحظة وتقديم صورة مؤقتة من التضامن، لكنهم لم يعالجوا الأسباب الجذرية للأزمة، والتي تتمثل في اختلال التوازن في علاقات القوة، وفي الطبيعة المتقلبة للشراكات القائمة على المصالح الآنية.

وطالما بقيت الهجرة ملفا للإدارة الأمنية أكثر منها تنموية وإنسانية، وطالما بقي التعاون مع دول الجوار مرهونا بمنطق الصفقات، فإن أحداث سبتة ستبقى نموذجا متكررا وإن اختلفت تفاصيله، لأن البنية الأساسية التي أنتجته والتي تقوم على التبعية المتبادلة وتسليع الهجرة لا تزال قائمة، بل وتتعزز مع كل أزمة جديدة، وكأن التاريخ يعيد نفسه في حلقة مفرغة من التوتر والتفاوض، حيث تظل الحدود ساحة للحرب الرمزية قبل أن تكون خطوطا جغرافية، وكما قال ريمون آرون فإن السياسة هي فن إدارة الصراعات قبل أن تكون علم إدارة المصالح.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.