الصمت المؤسساتي ودوره في تعميق الأزمة من منظور حقوق الانسان
صوت العدالة- محمد الموستني
يُعرّف الصمت المؤسساتي في مقاربة حقوق الإنسان بأنه امتناع السلطات العمومية عن تقديم المعلومة والتفسير والتوجيه في توقيت تكون فيه الحقوق الأساسية للمواطنين معرضة للخطر أو للانتهاك. وهذا التعريف ينقلنا من فهم الصمت كإجراء إداري تقني إلى فهمه كإشكالية حقوقية مباشرة. فالحق في المعلومة والحق في الحماية والحق في المشاركة ليسوا حقوقا نظرية فقط، بل تفعيلها يبدأ بخطاب رسمي يفكك المخاطر ويضع الأفراد أمام اختيارات واعية.
وتكمن خطورة الصمت في أنه لا يبقى محايدا، بل يتحول سريعا إلى بيئة حاضنة لانتهاكات أخرى. عندما تغيب الرواية الرسمية الموثوقة، تمتلئ الساحة بسرديات بديلة غالبا ما تبسط الواقع وتعد بحلول مستحيلة. وفي حالة الأزمات المرتبطة بالشباب، كالدعوات التي انتشرت في شتنبر 2025 حول “الهجرة الجماعية” عبر وسائل التواصل، أدى ضعف الخطاب الاستباقي إلى دفع فئات هشة، أغلبها من القاصرين، إلى اتخاذ قرارات مصيرية بناء على معطيات ناقصة ومغلوطة. وهنا لم يعد الصمت مجرد تقصير إداري، بل أصبح مساهما غير مباشر في تعريض الحق في الحياة والحق في السلامة الجسدية للخطر.
من منظور حقوق الإنسان، للدولة التزام مزدوج. التزام سلبي يتمثل في الامتناع عن الانتهاك، والتزام إيجابي يتمثل في الحماية والوقاية. والصمت المؤسساتي يضرب في صميم الالتزام الإيجابي. فالدولة مطالبة ليس فقط بمنع العبور غير القانوني عبر تدخل الأجهزة الأمنية، وهو ما أشارت إليه بعض البلاغات الرسمية، بل مطالبة أيضا بالتدخل تواصليا قبل وقوع الفعل. أي بتفكيك أسباب الإحساس بالانسداد، وتقديم معطيات دقيقة عن المخاطر، وعرض بدائل في التعليم والتكوين والتشغيل. وعندما يغيب هذا الجانب الوقائي، يتحول التدخل الأمني اللاحق إلى إجراء ردعي فقط، ويُفهم على أنه تجاهل للأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت بالأصل إلى الأزمة.
كما أن للصمت كلفة حقوقية تتعلق بالثقة. فالحق في الوصول إلى المعلومة لا يعني فقط نشر البيانات بعد الأزمة، بل يعني حضور الدولة في الفضاء العمومي بنفس سرعة الشائعة. وكل تأخير في الرد يُقرأ من طرف المواطن، خاصة الشاب، على أنه إخفاء متعمد. وهذه القراءة تهدم ركنا أساسيا من أركان العقد الاجتماعي وهو الشفافية. وعندما تفقد المؤسسة مصداقيتها التواصلية، يصبح من الصعب عليها لاحقا أن تطالب المواطن بالالتزام بالقانون، لأن الخطاب القانوني يفقد سنده الأخلاقي.
إن الخلاصة التي تفرضها مقاربة حقوق الإنسان هي أن الصمت في زمن الأزمات ليس حيادا. بل هو اختيار له آثار مباشرة على الحقوق والحريات. والانتقال المطلوب هو من منطق “إدارة الأزمة بعد وقوعها” إلى منطق “احترام الحقوق قبل وقوعها”. ويعني ذلك بناء قدرة مؤسساتية على الإنصات المبكر، وعلى مخاطبة المواطن بلغة واضحة، وعلى ربط المعالجة الأمنية بالمعالجة الاجتماعية في خطاب واحد متكامل. فحماية الحقوق لا تكتمل بالقانون والزجر وحدهما، بل تكتمل أيضا بكلمة في الوقت المناسب تمنع الكارثة قبل أن تقع.