”السيستم طايح” حواسيب معطلة ومصالح مجمدة
صوت العدالة- سعاد شاغل
”السيستيم طايح”.. عبارة يلقيها موظف الوكالة البنكية في وجه الزبائن بكل برودة أعصاب، وهو ينهمك في ترتيب الأوراق غير عابئ بانعكاسات ذلك على مصالحهم. “النظام متوقف حاليا”، هي العبارة نفسها التي تردد صداها في العديد من الوكالات البنكية يوم الجمعة 31 يوليوز، ليتكرر الأمر صبيحة يوم الاثنين 3 غشت، وكأن هناك اتفاقا أو إجماعا على أن “السيستيم طايح”.
التوقف التقني،إن كان خبرا صحيحا، لم يعد أمرا عابرا، بل أضحى كابوسا يوميا يؤرق زبناء المؤسسات البنكية. فبين الفينة والأخرى، تجد وكالات بنكية كاملة أو شبكات بأكملها خارج الخدمة، مما يحول دون إتمام أبسط المعاملات المالية، ويضع مصالح المواطنين والشركات على حد سواء في “دكة الانتظار”.
هذا الخلل الذي يتكرر في أنظمة التشغيل، يجد معه الزبون نفسه عاجزا عن سحب أمواله لسداد مستحقات طبية استعجالية، أو شراء أدوية، أو تغطية مصاريف سفر طارئة، أو إجراء معاملات مالية مستعجلة. ورغم التظلمات العديدة للمواطنين، تفضل البنوك الصمت دون أن تكلف نفسها عناء تقديم أي تفسير أو اعتذار لزبنائها.
اليوم، وفي وكالة بنكية بشارع المقاومة بالعاصمة الاقتصادية غصت بالزبناء، ارتفعت الأصوات الغاضبة تطالب بمعالجة هذا الخلل التقني؛ في حين اكتفى الموظف، الذي توارى وراء شاشة الحاسوب، بتبرير العطل قائلا: “حنا بحالنا بحالكم، راه السيستيم طايح من عندهم”، يقصد الإدارة المركزية للبنك.
غادر الزبناء الوكالة والقلق يرتسم على وجوههم، خاصة أولئك الذين ستتعطل مصالحهم، وتتأخر عمليات تحويلهم للأموال، أو تتوقف تسوية فواتيرهم، مما يعرضهم لخسائر مالية أو غرامات تأخير لا ذنب لهم فيها. وتزامن هذا العطل مع توقف شبكات الصراف الآلي التي غالبا ما ترافق خلل النظام المركزي وتصبح خارج الخدمة، مما يخلق ازدحاما وتوترا أمام أبواب الوكالات البنكية.
يطرح التكرار المريب لهذه الأعطاب علامات استفهام كبرى حول جاهزية البنية التحتية الرقمية للقطاع البنكي. ويرى خبراء في التكنولوجيا المالية أن الأسباب تتراوح غالبا بين ضغط التحديثات البرمجية وإجراء عمليات تحديث للأنظمة دون اختبارات كافية للتحمل في أوقات الذروة، إلى جانب تقادم بعض الأنظمة المركزية؛ إذ تعتمد بعض المؤسسات على أنظمة تشغيل قديمة لا تستوعب التضخم الكبير في عدد الحسابات والعمليات الرقمية اليومية.
ويعتبر الخبراء أن غياب استراتيجية للطوارئ، وبطء الاستجابة والتحول إلى الأنظمة البديلة عند حدوث أي ضغط أو هجوم سيبراني أو عطل تقني، يساهم في خلق أزمة ثقة بين البنك والزبون، ويطرح إشكالية حماية المستهلك.
وتتعدى المشكلة حدود الإزعاج اللحظي لتصل إلى تآكل ثقة الزبون في المؤسسة البنكية؛ ففي الوقت الذي تتنافس فيه البنوك على إطلاق خدمات الرقمنة والحلول الذكية، يجد الزبون نفسه أمام واقع يناقض الشعارات الإعلانية البراقة.
أمام هذا الوضع، تزداد المطالب بضرورة تدخل الجهات الرقابية لفرض عقوبات أو معايير جودة صارمة على البنوك التي تتكرر فيها هذه الأعطاب، وإلزامها بتعويض الزبناء عن الأضرار المادية المباشرة التي قد تترتب عن تجميد مصالحهم.
إن التحول الرقمي لا يعني فقط توفير تطبيقات هاتفية جذابة، بل يتطلب بنية تحتية صلبة ومستقرة. وحتى تتحقق هذه المعادلة، يبقى الزبون هو الحلقة الأضعف في انتظار أن تتجاوز البنوك منطق “التبرير التقني” نحو الاستثمار الحقيقي في جودة الخدمات واستمراريتها.