آراء وأقلام

بين الحكمة والتهور في تحمل المسؤولية: الهجرة نموذجاً .

صوت العدالة:محمد الموستني

تحمل المسؤولية ليس فعلاً لحظياً، بل هو عملية عقلية وأخلاقية مستمرة تبدأ بإدراك العواقب وتنتهي بقبول نتائجها. والحكمة في هذا السياق ليست مرادفاً للتردد، ولا التهور مرادفاً للشجاعة. الحكمة هي القدرة على الموازنة بين المعطيات المتاحة وبين الغايات المرجوة، مع احتساب المخاطر دون تضخيمها ومع تقدير الفرص دون تجاهل الكلفة. أما التهور فهو القفز إلى الفعل بدافع الضغط الداخلي أو الخارجي، مع إلغاء متعمد أو لا إرادي لآلية التقييم. وعندما نضع هذين المفهومين أمام سلوك إنساني قديم ومتكرر كالهجرة، تتضح الفروق الدقيقة بين من يهاجر لأنه حسب حساباته، ومن يهاجر لأنه لم يعد يملك رفاهية الحساب.

الهجرة في جوهرها الأنثروبولوجي ليست حادثاً طارئاً في تاريخ البشر. هي الآلية التي استعملها الإنسان الأول للبقاء. تحرك من أفريقيا قبل 70 ألف سنة باحثاً عن مناخ أرحم وغذاء أوفر، ثم تحركت القبائل تبعاً للجفاف والصراع والفرص. الدافع الأول كان بيولوجياً: البحث عن الموارد وتفادي الخطر. لكن ما ميز الإنسان عن باقي الكائنات المهاجرة هو دخول عنصر الاختيار والمعنى. لم تعد الهجرة مجرد هروب من المجاعة، بل أصبحت مشروعاً. مشروع لتحسين الوضع، لنقل المعرفة، لتأسيس هوية جديدة. وهنا يبدأ سؤال الحكمة والتهور في الظهور، لأن المشروع يحتاج إلى خطة، والخطة تحتاج إلى مسؤولية.

وهنا يجب التنبيه إلى نقطة جوهرية في السياق المغربي تحديداً: الاختزال الذي يربط الهجرة دائماً وتلقائياً بـ”الوضعية المزرية” اختزال قاصر علمياً. المغرب ليس بلداً عدمياً ولا فراغاً مؤسساتياً. للمغرب مؤسسات دستورية محترمة، وله أوراش كبرى للتشغيل، وله إنجازات هيكلية في البنيات التحتية والطاقة والصناعة والفلاحة لا يمكن الاستهانة بها بشهادة التقارير الدولية. صحيح أن هناك تحديات في العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، لكن تجاهل الرصيد الإيجابي هو نوع من التهور الفكري. المشكل الحقيقي في جزء منه هو إشكالية التواصل. الوعي بهذه الإنجازات وبهذه الفرص يحتاج إلى جسر قوي بين النخب والشعب، جسر يبنيه إعلام بناء ومسؤول. وعندما يترك هذا الفضاء فارغاً، يملأه المتطفلون. يبحثون عن الربح المادي والمشاهدات، بعيدين كل البعد عن الحقيقة وعن السياق، فيقدمون صورة مشوهة تدفع بالشباب إلى قرارات مبنية على الوهم لا على المعطى.

المسؤول الحكيم في قرار الهجرة هو من يفكك قراره إلى ثلاث طبقات. الطبقة الأولى واقعية: ما الذي أملكه من رأس مال مادي ومعرفي ولغوي؟ ما هي القوانين والفرص في الوجهة المقصودة؟ ما هي تكلفة الفشل؟ الطبقة الثانية اجتماعية: ما الذي سأتركه خلفي من شبكة أمان عائلية ومجتمعية؟ وما الذي سأبنيه في المكان الجديد؟ الطبقة الثالثة وجودية: هل أهاجر لأبني ذاتي أم لأهرب من ذاتي؟ لأن من يهرب من ذاته سيحملها معه في الطائرة. هذا النوع من التفكيك لا يلغي المخاطرة، بل يمنحها شرعية. الحكمة هنا لا تعني البقاء في مكان لا يوفر الكرامة، بل تعني المغادرة بعين مفتوحة على احتمالين: النجاح والخسارة.

في المقابل، التهور في تحمل مسؤولية الهجرة يظهر عندما يتحول القرار إلى رد فعل. رد فعل على خطاب يضخم الفشل ويصور الخارج كجنة مضمونة. التهور لا يحسب، بل يتمنى. لا يسأل عن سوق الشغل، بل يكتفي بصورة على مواقع التواصل. لا يفكر في الغربة النفسية، بل يعتقد أن تغيير الجغرافيا سيغير تلقائياً البنية النفسية. النتيجة أن الفرد يجد نفسه بعد شهور أمام مسؤولية مضاعفة: مسؤولية إعالة نفسه في بلد لا يعرفه، ومسؤولية تبرير قراره لمن تركه خلفه. وهنا يتحول الفعل الذي كان يفترض أن يكون تحرراً إلى عبء جديد.

لكن من الظلم الأكاديمي أن نحاكم قرار الهجرة بمعيار الربح والخسارة المادي فقط. هناك بعد فلسفي لا يمكن تجاهله: الإنسان كائن مشروع. جوهره هو أنه دائماً “قادم” ودائماً “ذاهب”. الفيلسوف كيركيغور تحدث عن “القفزة” كشرط للوجود الأصيل. أحياناً لا توجد معطيات كافية، وأحياناً الانتظار أطول من العمر. في هذه اللحظة يصبح التهور حكمة من نوع آخر. حكمة من يعرف أن البقاء في وضع ميت سريرياً هو تهور أكبر من المغامرة. وهنا يلتقي العلم بالواقع: الإحصائيات تقول إن نسبة كبيرة من المهاجرين يواجهون صعوبات أول 5 سنوات، لكنها تقول أيضاً إن الأجيال الثانية تحقق قفزات تعليمية واقتصادية غير ممكنة في بلدان المنشأ. إذن المسؤولية لا تقاس بنتائج السنة الأولى فقط.

الخلاصة التي تفرضها المقاربة العلمية الواقعية هي أن الهجرة اختبار عملي لمعنى المسؤولية. الحكمة هي أن تمتلك خطة بديلة، وأن تعترف بجهلك، وأن تستعد للعمل الشاق، وأن لا تبيع الوهم لنفسك ولغيرك. التهور هو أن تعتقد أن الحدود الجغرافية وحدها ستحل مشاكلك، أو أن ترفض رؤية ما أنجز في وطنك لأنك لم تسمع عنه.
الهجرة إذن ليست بطولة ولا جريمة. هي سلوك إنساني قديم أعاد إنتاجه الواقع المعاصر بشروط جديدة. وتقييمها الأخلاقي يجب أن يبدأ من سؤال واحد: هل تحملت مسؤولية قرارك بكامل وعيك، أم أن القرار هو الذي حملك؟

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.