هل ما وقع في سبتة سيجعلنا نعيد حساباتنا؟
بقلم: عبد السلام اسريفي
عنوان فرعي: مأساة الهجرة تكشف الحاجة إلى مراجعة عميقة للسياسات الاجتماعية والاقتصادية
لم يعد ما شهدته مدينة سبتة المغربية المحتلة مجرد محاولة جماعية للهجرة غير النظامية، بل تحول إلى حدث استثنائي هز الرأي العام الوطني والدولي، وطرح أسئلة عميقة حول الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه جزء من الشباب المغربي.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن نحو 60 ألف شخص، أغلبهم من الشباب، إلى جانب نساء وأطفال، حاولوا الوصول إلى المدينة المحتلة في توقيت متقارب، في واحدة من أكبر محاولات الهجرة الجماعية التي عرفتها المنطقة. كما تحدثت مصادر إعلامية عن ارتفاع عدد الضحايا إلى 68 وفاة، مع تسجيل عشرات المفقودين، في مشهد إنساني مأساوي يعكس حجم اليأس الذي يدفع آلاف المواطنين إلى المجازفة بحياتهم بحثاً عن مستقبل أفضل.
ورغم اختلاف القراءات، فإن هناك شبه إجماع على أن الفقر، والبطالة، والهشاشة الاجتماعية، وضعف فرص الإدماج الاقتصادي، تمثل عوامل رئيسية تدفع الشباب إلى التفكير في الهجرة باعتبارها المخرج الوحيد. وتشير بيانات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن معدل البطالة، خاصة في صفوف الشباب، يظل من أبرز التحديات، بينما تواجه العديد من الأسر صعوبات متزايدة بسبب غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
ولا يمكن معالجة الظاهرة فقط من زاوية أمنية، لأن الهجرة في جوهرها تعبير عن أزمة ثقة في المستقبل أكثر من كونها مجرد رغبة في مغادرة الوطن. لذلك، فإن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بوضع سياسات عمومية أكثر جرأة وواقعية تعيد الأمل إلى الشباب، وتجعل البقاء في الوطن خياراً ممكناً لا عبئاً ثقيلاً.
ومن بين الأولويات التي يراها عدد من المتتبعين ضرورية:
إطلاق برامج وطنية حقيقية للتشغيل، خصوصاً في الجهات الأكثر هشاشة.
تشجيع الاستثمار وإنعاش الاقتصاد المحلي لخلق فرص عمل مستدامة.
التنزيل الفعلي للجهوية المتقدمة بما يضمن عدالة مجالية في توزيع المشاريع.
إشراك القطاع الخاص في تحمل مسؤولية التشغيل عبر تحفيزات وآليات واضحة.
إحداث صندوق لدعم الباحثين عن الشغل ومواكبتهم إلى حين الاندماج في سوق العمل.
توجيه الدعم الاجتماعي إلى مستحقيه وفق معايير دقيقة وشفافة.
تحسين جودة خدمات الصحة والتعليم، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتحقيق العدالة الاجتماعية.
تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يعزز ثقة المواطن في المؤسسات.
توفير فرص ثانية للشباب الذين غادروا الدراسة، عبر تكوين مهني مرتبط بحاجيات سوق الشغل الوطني والدولي.
إن ما وقع في سبتة ليس مجرد حادث عابر، بل رسالة قوية تستوجب الوقوف عندها بجدية. فحين يصبح حلم آلاف الشباب هو مغادرة الوطن مهما كانت المخاطر، فإن الأمر يستدعي مراجعة شاملة للسياسات التنموية، لأن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بالإسمنت والطرق فقط، بل يبدأ بالإنسان، وبمنحه الأمل في مستقبل كريم داخل وطنه.
ويبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: هل ستكون مأساة سبتة نقطة تحول تدفع إلى إعادة ترتيب الأولويات، أم أنها ستنضم إلى قائمة الأزمات التي تُنسى مع مرور الوقت؟