آراء وأقلام

هل الفساد السياسي نتاج لغياب الكرامة وعزة النفس؟

صوت العدالة:محمد الموستني

سؤال صادم في ظاهره، لكنه يفرض نفسه كلما اقترب موسم الانتخابات. فبدل أن تكون الأحزاب والتنظيمات السياسية مدارس لتخريج النخب وورشات لصناعة المشروع المجتمعي، تحولت في كثير من الحالات إلى متاجر لبيع الوهم وسماسرة في تسويق الأشخاص. وهنا بالضبط تبرز العلاقة الجدلية بين أزمة السياسة وأزمة الكرامة. فالسياسة في جوهرها عقد شرف بين من يحكم ومن يُحكم، تقوم على الاحترام المتبادل وعلى فكرة التكليف لا التشريف. لكن عندما يغيب هذا المعنى، وتتحول العلاقة إلى علاقة تاجر وزبون، فإن النتيجة الحتمية هي إنتاج طبقة سياسية بلا ضمير وشعب بلا إرادة.

الغياب الأول للكرامة يبدأ من الناخب نفسه. فحين يتحول المواطن إلى رقم انتخابي لا قيمة له إلا في يوم الاقتراع، وحين يرضى بأن يكون صوته سلعة تباع في سوق مكشوف بثمن بخس، فإنه يوقع شهادة موته السياسي بيده. الفقر والحاجة يلعبان دوراً كبيراً بلا شك، لكن الأخطر هو الاستسلام النفسي الذي يجعل الإنسان يقتنع بأن “كلهم سواسية” وبالتالي لماذا لا آخذ المقابل المادي على الأقل؟ هنا تنكسر عزة النفس ويصبح المواطن شريكاً في إنتاج فساده. فالناخب الذي يقبل الإهانة مقابل وعد كاذب يمنح شرعية لمرشح يعلم يقيناً أنه لا يحترمه، وأنه سيعود بعد خمس سنوات ليكرر نفس المشهد.

وفي المقابل، لا يمكن فصل سلوك المنتخب عن هذا المناخ. فالمرشح الذي يشتري الأصوات بالمال لا يفعل ذلك من فراغ. هو يدرك أن من أمامه مستعد للبيع، وأن الوعي السياسي غائب، وأن المحاسبة لاحقة معدومة. وحين يستثمر مبالغ طائلة في الحملة الانتخابية، فهو لا ينظر إليها كخدمة عامة بل كصفقة يجب أن تدر أرباحاً. وهنا تذوب الكرامة من الجهتين: كرامة المرشح الذي قبل أن يدخل اللعبة بالمال الحرام، وكرامة المواطن الذي قبل أن يكون جزءاً من الصفقة. يتحول الكرسي من أمانة إلى غنيمة، ومن تكليف إلى تشريف زائف، وتصبح السياسة مهنة للارتزاق لا رسالة للإصلاح.

الأخطر من هذا كله أن غياب الكرامة يصبح ثقافة عامة . فعندما تغيب آليات المحاسبة الحقيقية، وعندما يتحول الإعلام إلى بوق للتطبيل، وعندما يتم تسييد منطق “الشكارة” على حساب البرامج والأفكار، فإن الرسالة التي تصل للمواطن واضحة: قيمتك في عدد الأصوات التي تجلبها لا في نزاهتك أو كفاءتك. في هذه البيئة لا مكان لصاحب المبدأ، لأنه سيعتبر “ساذجاً” أو “غير واقعي”. وبالتالي يتم إقصاء النخب النظيفة تلقائياً، ويتم تصدير وجوه اعتادت على المساومة والتنازل، لأنها فقط من تستطيع الاستمرار في لعبة بلا قواعد.

لكن هل هذا يعني أن الأحزاب السياسية كلها نتاج مباشر لغياب الكرامة؟ ليس بالضرورة. فالتاريخ يعلمنا أن هناك أحزاباً قامت على التضحية والمبدأ وغيرت أوطاناً. المشكل ليس في العمل الحزبي كآلية، بل في من يمارسه وبأي منطق. فحين يغيب الوعي الجمعي، وحين يصبح هم المواطن الأول هو لقمة العيش الآنية لا مستقبل الأبناء، وحين يعتاد المسؤول على الإفلات من العقاب، فإن المجال يخلى تلقائياً لأسوأ ما في المجتمع ليتصدر المشهد. تصبح السياسة انعكاساً لواقع اجتماعي وأخلاقي، مرآة تعكس حجم التنازلات التي قبل بها الناس.

في النهاية، المفارقة تبقى قائمة: نحن نبحث عن من يصون كرامتنا في صناديق الاقتراع، بينما نبيع كرامتنا من أجل الوصول إلى تلك الصناديق. وطالما أن الناخب لا يرى في صوته أمانة، وطالما أن المنتخب لا يرى في الكرسي تكليفاً، فستبقى الجهات السياسية مجرد واجهات لأزمة أعمق. الحل لا يبدأ بتغيير القانون فقط، بل باستعادة الإنسان لعزة نفسه أولاً. فالشعوب التي تحترم نفسها تفرض الاحترام، وتنتج نخباً تشبهها. وما دمنا نرضى بالفتات، فسنظل ننتج من يرانا أهلاً له.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.