من “الفقيه الكلاسيكي” إلى “الفقيه الخوارزمي”حتمية إعادة صياغة الفكر التشريعي لمواكبة طموح السلطة القضائية
بقلم الأستاذ: وليد مشتكي
باحث في القانون الجنائي والرقمنة
صوت العدالة: مكتب مراكش
تشهد منظومة العدالة بالمملكة المغربية مخاضاً رقمياً حاسماً؛ فبينما يتبنى المجلس الأعلى للسلطة القضائية رؤية استراتيجية طموحة تستلهم التوجيهات الملكية السامية لإرساء “محكمة رقمية” قوامها النجاعة والشفافية، يلاحظ المتأمل في الترسانة القانونية وجود قصور تشريعي صارخ لا يرقى إلى مستوى هذه الطموحات المؤسساتية.
إن الاختزال العقيم الذي يرى الرقمنة مجرد “تحديث لواجهات الإدارة” وتوفير الحواسيب وتوظيف تقنيين كدعم خارجي، بات يشكل عائقاً بنيوياً يستدعي ثورة فكرية تقطع مع “الجهالة العلمية”، وتؤسس لانتقال حتمي من “الفقيه الكلاسيكي” إلى “الفقيه الخوارزمي”.
أولاً: عجز الفكر التشريعي والمنطق البرمجي الحديث
يتجلى مكمن الخلل في عجز الفكر التشريعي التقليدي عن استيعاب المنطق البرمجي (Algorithmic Thinking) المحرك للجريمة الحديثة. فكيف لوعي قضائي بتكوين أدبي صرف — لم يتجاوز فهمه للمعلوميات حدود “الآلة الجامدة” — أن يفصل في قضايا سيبرانية معقدة تُدار بآليات الذكاء الاصطناعي، وتتحكم في أدلتها الجنائية الرقمية Functions وProcedures والمشغلات التلقائية Triggers؟
وهنا يطرح السؤال الفلسفي والقانوني الصادم:
كيف يُعقل لذي جهالة علمية بالبنية التقنية للقرن الحادي والعشرين أن نضع بين يديه مصير دولة وأمنها الرقمي؟
ثانياً: صدام القواعد الجنائية الكلاسيكية مع “الجرائم المستمرة”
يتجلى هذا العجز التشريعي بشكل فاضح عند إسقاط القواعد العامة للقانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية على الجريمة الإلكترونية المستمرة (Autonomous Cybercrimes).
الإشكال القانوني:
لو ارتكبت خوارزمية ذكية — أو محرك بحث — جريمة قرصنة أو تشهير أو غسل أموال، في حين أن مبرمجها أو مالكها الأصلي قد توفي؛ فإن القاضي ذي التكوين الأدبي سيجد نفسه أسيراً لجمود المادة 4 من قانون المسطرة الجنائية (سقوط الدعوى العمومية بموت الشخص المتابع)، وسيأمر بحفظ الملف بناءً على مبدأ “شخصية العقوبة” (المادة 132 من القانون الجنائي).
الحقيقة التقنية الصادمة:
هذا التفسير الظاهري يغفل أن المتهم قد مات لكن الجريمة الرقمية ما زالت حية ونشطة وتحدث ضرراً مستمراً عابراً للقارات عبر الخوادم المستقلة.
حل القاضي الخوارزمي:
وحده القاضي الخوارزمي من يملك الكفاءة لتفعيل المسؤولية الجنائية التبعية للشخص الاعتباري (الشركة المستضيفة) استناداً إلى المادة 127 من القانون الجنائي، وإصدار أمر قضائي فوري بـ “إعدام الكود البرمجي” أو حجب الخوارزمية، وهو ما يعجز عنه الفكر التقليدي.
ثالثاً: التهديد الأمني وانحراف السلطة القضائية نحو الخبراء
إن هذا القصور لا يهدد الأمن القانوني الداخلي فحسب، بل يصطدم بالالتزامات الدولية للمملكة كشريك استراتيجي في الاتفاقيات الدولية لمكافحة الجريمة المعلوماتية العابرة للحدود. كما أن جلب الاستثمار الخارجي رهين بوجود قضاء ذكي يوفر الأمن السيبراني للشركات العالمية.
من جهة أخرى، فإن افتقار القاضي للحس التقني يجعل المحاكم رهينة لتقارير الخبراء المحلفين؛ مما يحول الخبير التقني — الذي يفتقر بدوره للحس الفقهي — إلى “قاضٍ مستتر” يوجه منطوق الأحكام لامتلاكه المفاتيح البرمجية التي يجهلها القاضي.
رابعاً: نقد التوجه الحكومي الراهن (محدودية الطرح اللغوي)
أمام هذا الخلل الصارخ، نرى اجتهادات متواضعة من وزارة العدل تفتقر إلى المعلومة الدقيقة والعمق التقني؛ إذ يسترسل القائمون عليها في الحديث عن “إتقان اللغات الأجنبية” وكأنها طوق النجاة الأوحد للتطوير.
غاب عن فكر المشرع والوزير معاً أن اللغات البشرية تترجمها الآلات اليوم في أجزاء من الثانية، وأن اللغة الوحيدة التي يحتاجها قاضي المستقبل هي “اللغة البرمجية والمنطق الخوارزمي”. إن الرغبة في الإصلاح دون امتلاك الثقافة الرقمية هي هدر للزمن التشريعي، ولا يمكنها بأي حال أن ترقى إلى مستوى الرؤية الاستراتيجية الاستباقية التي يطمح إليها المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
خامساً: مقترح الإصلاح الهيكلي (إعادة هيكلة مباراة الملحقين القضائيين)
تأسساً على ما سبق، وتفعيلاً للرؤية الملكية السديدة، ندعو المجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى قيادة ثورة التغيير عبر إعادة هيكلة مباراة الملحقين القضائيين وتجزيئها إلى قطبين مستقلين:
القطب القضائيمجال الاختصاصشروط الولوج والشهادات المطلوبة
- القطب الكلاسيكي الفقهيالمنازعات التي تحتاج إلى نَفَس إنساني واجتهاد أدبي محض (الأحوال الشخصية، العقار، الالتزامات الكلاسيكية).• شهادة البكالوريا (جميع الشعب).
- إجازة في القانون الخاص أو الشريعة.
- القطب الخوارزمي العلميقضايا الجرائم المالية والإلكترونية المعقدة والأمن السيبراني والسيادة الرقمية.• شهادة البكالوريا العلمية أو التقنية (شرط إلزامي لضمان البنية المنطقية).
- إجازة في القانون أو ماستر متقدم (مثل القانون الجنائي والرقمنة).
- شهادة البكالوريا العلمية أو التقنية (شرط إلزامي لضمان البنية المنطقية).
- إجازة في القانون أو ماستر متقدم (مثل القانون الجنائي والرقمنة).
- دبلوم تقني متخصص أو شهادة جامعية في البرمجة، هندسة الأنظمة، أو الذكاء الاصطناعي.
خاتمة
لقد دقت ساعة الاستفاقة من السبات التقليدي؛ فالقانون الخوارزمي لم يعد ترفاً فكرياً أو لغوياً، بل هو مسألة سيادة وطنية حتمية، وإعادة صياغة الفكر التشريعي لم تعد مجرد خيار بل هي طوق النجاة لحماية منظومة العدالة في عصر الذكاء الاصطناعي.