موسم الترحال السياسي… عندما تحضر الرغبة في الكرسي وتغيب المبادئ
صوت العدالة- عبد السلام اسريفي
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يتكرر المشهد نفسه. وجوه سياسية تغادر أحزابها نحو أخرى، وتحالفات تتبدل بين ليلة وضحاها، وخطابات كانت بالأمس تنتقد حزبا ما، تتحول اليوم إلى مديح له. إنها ظاهرة الترحال السياسي التي أصبحت، للأسف، من أبرز مظاهر اختلال الحياة الحزبية بالمغرب.
في الماضي، لم يكن الانتماء الحزبي مجرد بطاقة عضوية أو وسيلة للحصول على تزكية انتخابية، بل كان تعبيرا عن قناعة فكرية ومشروع سياسي واضح. كانت الأحزاب الوطنية تُبنى على المرجعيات والبرامج، وكان السياسي يدافع عن أفكاره حتى وإن خسر الانتخابات. أما اليوم، فقد أصبح بعض المنتخبين يغيرون انتماءاتهم بنفس السهولة التي يغيرون بها مقاعدهم، وكأن السياسة مجرد وسيلة للبقاء في دائرة النفوذ.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، عادت موجة الترحال لتفرض نفسها بقوة، حيث تشهد الساحة السياسية انتقال عدد من المنتخبين والقيادات الحزبية من حزب إلى آخر، في مشهد يتكرر مع كل استحقاق انتخابي، رغم الإصلاحات القانونية التي استهدفت تخليق الحياة السياسية.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تفرغ العمل السياسي من معناه الحقيقي. فالناخب الذي منح صوته لمرشح بسبب انتمائه وبرنامجه، يجد نفسه بعد أشهر أمام منتخب يحمل ألوان حزب آخر دون أن يستشيره أو يعود إليه. وهنا يصبح السؤال المشروع: لمن صوت المواطن؟ للشخص أم للحزب أم للمبادئ؟
ولا يمكن تفسير هذا الترحال بالرغبة في “خدمة المواطنين”، كما يروج البعض، بل إن المتابعين يربطونه في كثير من الأحيان بالحسابات الانتخابية، والبحث عن التزكيات المضمونة، أو تحسين فرص الفوز، أو الحفاظ على المواقع السياسية والإدارية.
المفارقة أن المغرب يتوفر اليوم على أكثر من 30 حزبا سياسيا معترفا به، كما أن الدولة تخصص دعما ماليا عموميا للأحزاب بهدف تقوية التأطير السياسي وترسيخ الديمقراطية، غير أن كثرة الأحزاب لم تمنع استمرار ظاهرة الترحال، بل أفرزت في بعض الأحيان سباقا لاستقطاب الأعيان والمنتخبين بدل التنافس حول البرامج والأفكار.
إن الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد الانتخابات، بل بمدى احترام الإرادة الشعبية، واستقرار الانتماءات السياسية، ووضوح البرامج. أما حين يصبح الحزب مجرد محطة مؤقتة للوصول إلى المنصب، فإن الخاسر الأكبر ليس الحزب، بل ثقة المواطن في السياسة والمؤسسات.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الأحزاب، بل إلى مزيد من الالتزام السياسي والأخلاقي. فالمبادئ لا تتغير بتغير المواسم الانتخابية، والقناعات الحقيقية لا تُباع مقابل تزكية، ولا تُشترى بوعد بمنصب.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل للدولة تصور للحد من الظاهرة؟ كيف يمكن التقليل من الظاهرة في ظل تلاشي المبادئ واختلاط المسالك؟ هل سيأتي يوم يصبح فيه الوفاء للمبادئ والناخبين أهم من الوفاء للكرسي؟ أم أن موسم الترحال سيظل الطقس السياسي الأكثر حضورا كلما اقترب موعد الانتخابات؟