حين يتحول الماء إلى معيار للثقة في المؤسسات: قراءة سوسيولوجية في أزمة العطش بسيدي علال البحراوي .
بين الإجهاد المائي الوطني وتحديات الحكامة المحلية، كيف أصبحت أزمة الماء في سيدي علال البحراوي اختباراً لثقة المواطن في المؤسسات؟
بقلم: محمد جواد سيفاو
في خضم التحولات المناخية التي تطبع العقود الأخيرة، بات الماء أكثر من مجرد مادة للحياة؛ إنه مرآة تعكس مدى قدرة الدولة على تدبير شؤون مواطنيها، ومؤشراً دقيقاً على صحة العقد الاجتماعي بين الدولة كمؤسسات والمواطن. فحين يصبح الحصول على الماء الصالح للشرب معركة يومية، كما هو الحال في مدينة سيدي علال البحراوي، تتحول الأزمة من مجرد خلل تقني إلى قضية اجتماعية وسياسية تمس جوهر علاقة المواطن بالمؤسسات. ما تعيشه هذه المدينة، التابعة لإقليم الخميسات وعلى بعد حوالي 30 كيلومتراً من الرباط، ليس حدثاً استثنائياً، بل أزمة مزمنة تتكرر مع كل صيف، وتتفاقم في غياب حلول جذرية أو تواصل شفاف. وهي وإن كانت تعكس واقعاً وطنياً من الإجهاد المائي، فإنها تكشف أيضاً عن فجوات محتملة في التدبير المحلي، وعن تحول الاحتجاج من مجرد شكوى فردية إلى تعبير جماعي عن أزمة ثقة.
لفهم أزمة سيدي علال البحراوي، لا بد من وضعها في سياقها الوطني. فالمغرب يصنف اليوم ضمن الدول التي تعاني من إجهاد مائي حاد ومتزايد. فقد تراجعت حصة الفرد من الموارد المائية من حوالي 2500 متر مكعب سنوياً في ستينيات القرن الماضي إلى مستويات تقدر حالياً بأقل من 650 متراً مكعباً للفرد سنوياً. وقد حذّر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من أن الفرد في المغرب مهدد بفقدان 80% من موارده المائية خلال السنوات 25 المقبلة، فيما يصنّف البنك الدولي المغرب ضمن الدول الأكثر عرضة لندرة المياه بحلول 2050. ويعود هذا التراجع إلى توالي سنوات الجفاف، حيث يعيش المغرب جفافاً ملموساً منذ خمس سنوات متتالية، إضافة إلى تغير المناخ والضغط الديمغرافي المتزايد. يبلغ عدد سكان المغرب، حسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، 36,828,330 نسمة، مع طلب متصاعد من القطاع الفلاحي الذي يستهلك النصيب الأكبر من الموارد المائية.
وتستثمر الدولة في مشاريع كبرى لمواجهة هذا التحدي. فقد صرح وزير التجهيز والماء نزار بركة بأن المغرب يخطط للاعتماد على تحلية مياه البحر لتوفير 60% من مياه الشرب بحلول عام 2030، ارتفاعاً من 25% في الوقت الحالي. ويشغّل المغرب حالياً 17 محطة لتحلية المياه، تنتج حوالي 345 مليون متر مكعب سنوياً، فيما يجري إنشاء 4 محطات إضافية بطاقة إجمالية تبلغ 540 مليون متر مكعب من المنتظر أن تكون جاهزة بحلول عام 2027. كما تمت برمجة 13 مشروعاً إضافياً على طول السواحل المغربية، بهدف الوصول إلى طاقة إنتاجية تبلغ 1.7 مليار متر مكعب سنوياً بحلول 2030. غير أن هذا الواقع الوطني، مهما كان قاسياً، لا يلغي ضرورة التمييز بين ندرة الموارد ونجاعة تدبير شبكات التوزيع. فالدولة قد تعاني من شح الموارد، لكنها قادرة على تقليص أثره عبر استثمارات استباقية، وصيانة فعالة، وتواصل شفاف مع السكان. وهنا يطرح التساؤل الجوهري حول مدى كفاية تدبير شبكة التوزيع محلياً في سيدي علال البحراوي، ومدى قدرتها على مواكبة النمو الديمغرافي والطلب المتزايد على الماء.
تعد سيدي علال البحراوي منطقة حضرية ذات نمو سكاني سريع. فقد قفز عدد سكان الجماعة من 15,866 نسمة سنة 2014 إلى 29,147 نسمة سنة 2024، حسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى، أي نمو بزيادة بلغت نحو 84% خلال عشر سنوات. إن ارتفاع عدد السكان بهذه النسبة خلال عقد واحد يفرض، من الناحية التخطيطية، توسعاً موازياً في البنيات التحتية، ولا سيما شبكات الماء والتطهير والكهرباء. وإذا لم تواكب الاستثمارات العمومية هذا النمو الديمغرافي، فإن الضغط على الشبكات يصبح نتيجة متوقعة، حتى في غياب أي أعطاب تقنية استثنائية. وقد يكون هذا العامل أحد التفسيرات المحتملة لاستمرار الضغط على الشبكة، إلى جانب عوامل تقنية وتدبيرية ومناخية أخرى. وتقع المدينة عند ملتقى طرق استراتيجي، ما يجعلها منطقة عبور وخدمات. لكن هذا الموقع المتميز لم يترجم إلى خدمات أساسية مستقرة. فمنذ سنوات، تعاني المدينة من انقطاعات متكررة وطويلة للماء الصالح للشرب، تحدث بشكل يومي ودون سابق إنذار. ومع حلول كل صيف، تتفاقم الأزمة مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الطلب. وقد علّقت الساكنة آمالاً كبيرة على دخول شركة “SRM” لتدبير قطاع الماء خلفاً للمكتب الوطني للماء الصالح للشرب، غير أن الأوضاع لم تتحسن بل ازدادت حدّة، وفق شهادات عدد من المواطنين. وتوثق مقاطع فيديو يتداولها السكان خروج الماء أحياناً بلون غير طبيعي عند عودته، مما أثار مخاوف جدية بشأن السلامة الصحية، خاصة لدى الأطفال وكبار السن. وتشير شهادات المواطنين إلى أن الماء قد يخرج من الحنفية بلون أبيض كالحليب أو بني مخلوط بالتراب، ما يجعله غير صالح للشرب. ولم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الصحي، بل امتدت إلى النسيج الاقتصادي والاجتماعي. وتشير شهادات متعددة من سكان وفاعلين محليين إلى تداعيات سلبية للأزمة على النسيج الاقتصادي المحلي، بما في ذلك القطاع العقاري، في غياب إحصاءات رسمية دقيقة.
لتفسير تحول أزمة الماء إلى احتجاجات متكررة، لا بد من النظر إلى الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للمدينة. تُشير مؤشرات اجتماعية وتقارير محلية إلى هشاشة اقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب، مما يضاعف وطأة أي خلل في الخدمات الأساسية. ففي ظل غياب دخل ثابت، يصبح شراء المياه المعدنية أو حفر الآبار الخاصة أعباء إضافية تثقل كاهل الأسر الفقيرة. وبذلك، تتحول أزمة الماء من مشكلة تقنية إلى عامل مضاعف للفقر وعدم المساواة. فالأسر القادرة على تحمل تكاليف الحلول البديلة تجد متنفساً، بينما تظل الأسر الأكثر هشاشة رهينة للانقطاعات وجودة المياه الرديئة.
في علم الاجتماع الحضري، لا تنبع الاحتجاجات من غياب الخدمة فقط، بل من تكرار الإحساس بعدم اليقين. حين لا يعرف المواطن متى سينقطع الماء أو متى سيعود، يضطر إلى تغيير عاداته اليومية، وتأجيل أعماله، واقتناء خزانات إضافية، وهو ما يخلق ضغوطاً نفسية ومادية متفاوتة بين الأسر. وتؤكد الأدبيات السوسيولوجية أن الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الماء، تشكل ما يمكن تسميته “البنية التحتية للثقة”. وكلما اختلت هذه البنية، اتسعت فجوة الثقة بين المواطن والإدارة. وهذا ما يفسر تحول المطالب من شكاوى فردية إلى احتجاجات جماعية تحمل شعارات مثل “الماء حق وليس امتيازاً”. ففي قراءة سوسيولوجية أعمق، يتيح تصور بيير بورديو حول أشكال الرأسمال والشرعية الرمزية فهماً لكيفية تآكل الثقة في المؤسسات عندما تعجز عن أداء وظائفها الأساسية، وهو ما ينعكس على رصيدها من الشرعية داخل المجتمع. أما روبرت بوتنام فيربط، من خلال مفهومه للرأسمال الاجتماعي، جودة الخدمات العمومية بارتفاع أو انخفاض مستوى الثقة المتبادلة والمشاركة المدنية.
لا يتعلق الحق في الماء بمجرد مطلب اجتماعي، بل هو حق دستوري. فقد نص الفصل 31 من دستور المملكة المغربية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين من الحق في الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة. كما ينسجم ذلك مع الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، الذي يدعو إلى ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتها إدارة مستدامة. وهذا التأصيل الدستوري والقانوني يحوِّل أزمة الماء من مجرد إخفاق تقني إلى مسؤولية مؤسساتية، تضع الدولة والجماعات الترابية أمام التزامات واضحة تجاه المواطنين.
رفعت الوقفة الاحتجاجية الأخيرة شعار “الماء حق وليس امتيازاً”، وهو شعار يعكس انتقال الملف من نطاق الشكايات الفردية إلى فضاء المطالبة الجماعية بالحق في خدمة عمومية مستقرة. وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من اختزال كل احتجاج في خلفيات سياسية أو انتخابية؛ فالسوسيولوجيا تعلمنا أن الحاجات الأساسية، عندما لا تُلبّى، تصبح في حد ذاتها دافعاً كافياً للتعبئة الاجتماعية.
لا يمكن إنكار أثر التغيرات المناخية التي يعيشها المغرب، ولا الضغط المتزايد على الموارد المائية. لكن في المقابل، يبقى تحسين تدبير الشبكات، وتقوية البنية التحتية، والتواصل المنتظم مع المواطنين، عناصر حاسمة لتخفيف آثار هذه الأزمة. فالشفافية في شرح أسباب الانقطاعات، والإعلان المسبق عن الأشغال، وتقديم جداول زمنية واضحة، كلها إجراءات قد لا توفر الماء فوراً، لكنها تعزز الثقة، وتحد من الإشاعات، وتمنح المواطن شعوراً بأن معاناته معترف بها ومأخوذة بجدية.
أزمة الماء في سيدي علال البحراوي ليست مجرد مشكلة تقنية عابرة، كما أنها ليست دليلاً تلقائياً على فشل مؤسسة بعينها. إنها تعكس تداخل عوامل مناخية، وديموغرافية، وتقنية، وتدبيرية، في سياق وطني يتسم بندرة متزايدة للموارد المائية. لكن الأهم من ذلك، أنها تكشف عن تحول في طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات. فالماء، في القرن الحادي والعشرين، لم يعد مجرد مورد طبيعي، بل أصبح معياراً لقياس جودة الحكامة، وقوة المؤسسات، ومستوى الثقة بين مؤسسات الدولة والمواطن. ويبقى التحدي الحقيقي أمام المسؤولين – محلياً ووطنياً – هو الانتقال من تدبير الأزمات إلى التدبير الاستباقي: الاستثمار في البنية التحتية قبل فوات الأوان، والصيانة الدورية للشبكات، والتواصل الشفاف مع المواطنين، والإعلان المسبق عن الأشغال. فهذه الإجراءات، وإن لم توفر الماء فوراً، فإنها تعزز الثقة، وتحد من الإشاعات، وتمنح المواطن شعوراً بأن معاناته معترف بها ومأخوذة بجدية. فالماء ليس رفاهية، ولا امتيازاً، بل حق أساسي كرّسه الدستور المغربي وأقرته المواثيق الدولية. وحين يتحول تأمينه إلى معركة يومية، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن واضحة: هناك خلل في العقد الاجتماعي، وهناك حاجة ماسة لإعادة بناء الثقة من أساسها.
المراجع المعتمدة:
- دستور المملكة المغربية (2011)، الفصل 31.
- المندوبية السامية للتخطيط، الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024.
- المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تقارير الأمن المائي.
- وزارة التجهيز والماء، الاستراتيجية الوطنية للماء 2020-2050.
- البنك الدولي، تقارير تغير المناخ والموارد المائية في المغرب.
- Bourdieu, P. (1991). Language and Symbolic Power. Harvard University Press.
- Bourdieu, P. (1986). “The Forms of Capital”. In Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education.
- Putnam, R. D. (1993). Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy. Princeton University Press.
- Putnam, R. D. (2000). Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. Simon & Schuster.
- الأمم المتحدة، الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة (SDG 6): المياه النظيفة والنظافة الصحية.