فن التطبيل
بقلم: ذ.محمد كيفيل،المحامي والأمين العام لحزب النهضة والفضيلة.
يقول المؤرخون إن الطبل اختُرع لإعلان الحرب، واستقبال الملوك، وإثارة الحماس. لكن يبدو أن بعض الناس فهموا الرسالة بشكل مختلف، فقرروا أن يجعلوا منه مهنة دائمة، حتى في زمن السلم!
في البداية كان هناك رجل يحمل طبلًا ويضرب عليه. ثم تطورت البشرية، فاختفى الطبل… وبقي الضرب!
في مصر القديمة، كان الفرعون لا يخطئ. وفي روما، كان الإمبراطور لا يُهزم. وفي قصور السلاطين، كان الحاكم لا ينام إلا بعد أن يسمع قصيدة تؤكد أن الشمس تستأذن قبل أن تشرق على وجهه.
واليوم تطور الأمر أكثر. لم يعد الطبال يحتاج إلى عصا ولا إلى طبل. يكفيه هاتف ذكي، وحساب على مواقع التواصل، وموهبة خارقة في اكتشاف “الإنجازات” التي لا يراها أحد غيره.
إذا تعطلت الإشارة قال: إنها حكمة.
وإذا ارتفعت الأسعار قال: إنها رؤية استراتيجية.
وإذا فشل المشروع قال: النجاح يحتاج إلى وقت.
وإذا نجح أحد غير المسؤول، نسب النجاح للمسؤول نفسه!
الطبال الحقيقي كائن عجيب؛ يستطيع أن يصفق بيد واحدة، وأن يكتب قصيدة مديح قبل أن يبدأ المشروع، ويعلن الانتصار قبل بدء المباراة، ويقنعك بأن الهزيمة ليست هزيمة، بل انتصار مؤجل يحتاج فقط إلى مزيد من التصفيق.
ويبدو أن التاريخ سيكتب يومًا ما أن البشرية مرت بثلاثة عصور:
العصر الحجري…
العصر الحديدي…
ثم العصر… الطبلي!
ولعل أغرب أنواع التطبيل هو التطبيل لبعض البرلمانيين الذين لم يقدموا لنا سوى ابتسامات موسم الانتخابات. خمس سنوات من الصمت، ثم يخرج المطبلون ليحدثونا عن “الإنجازات التاريخية”… حتى يخيل إليك أن مجرد حضورهم إلى البرلمان كان مشروعًا تنمويًا يستحق الإشادة
لكن، ولإنصاف الطبل، فهو آلة موسيقية بريئة لا ذنب لها. فالطبل يصدر صوتًا ثم يصمت، أما بعض الطبالين… فلا يسكتون حتى إذا انقطع الصوت!
ذ كفيل محمد