آراء وأقلام

من مدرجات أمريكا… أدركت أن الأوطان لا تُقاس بالنتائج، بل بجماهيرها.

صوت العدالة/ حكيمة خالص- أمريكا

من مدرجات أمريكا… أدركت أن الأوطان لا تُقاس بالنتائج، بل بجماهيرها.

قد تنتهي البطولات، وقد تغادر المنتخبات المنافسة، وقد تُطوى صفحات النتائج… لكن هناك صفحات لا يكتبها التاريخ بالأهداف، بل يكتبها بالدموع، وبالتضحيات، وبحب الأوطان.

اليوم، لا أريد أن أتحدث عن مباراة، ولا عن نتيجة، ولا عن إقصاء…

أريد أن أتحدث عنكم… أنتم.

عن المغربي الذي اقتطع من راحته، وادخر من قوت يومه، ليشتري تذكرة سفر ويكون حاضرًا خلف وطنه.

عن الأب الذي اصطحب أبناءه ليعلّمهم أن حب الوطن يُعاش، ولا يُقال.

عن الأم التي رفعت العلم المغربي في مدرجات بعيدة، وكأنها في قلب الرباط، أو الدار البيضاء، أو طنجة، أو العيون.

عن الشباب الذين جاؤوا من مختلف الولايات الأمريكية، قاطعين آلاف الكيلومترات بالسيارات والحافلات والطائرات، فقط ليقولوا للعالم: هنا… المغرب.

رأيت بعيني من لم يكن يملك إلا ثمن التذكرة…

ورأيت من كان يحسب كل دولار، لأنه لا يملك ما يكفي لإقامة مريحة.

ورأيت من سار من المطار إلى الملعب على قدميه، لأن كل ما كان يعنيه هو ألا يتخلف عن موعد مع الوطن.

ورأيت من اكتفى بالقليل من الطعام والماء، لكنه لم يبخل بصوته وهو يهتف:
“سير… سير… سير.”

ورأيت من ذرف الدموع بعد صافرة النهاية، ليس لأنه خسر مباراة… بل لأنه كان يحمل حلم وطن، وحلم أمة بأكملها.

ولم تكن المشاهد في أمريكا وحدها…

في المغرب، امتلأت المقاهي قبل ساعات من البداية.

واجتمعت العائلات أمام الشاشات.

وصمتت الأحياء مع انطلاق المباراة.

وأصبحت البيوت كلها مدرجًا واحدًا.

وعاشت الملايين كل تمريرة، وكل فرصة، وكل نبضة أمل.

أما أنتم… يا جماهير أمتنا العربية…

يا من رفعتم العلم المغربي كما لو كان علمكم…

يا من دعوتم للمغرب كما تدعون لأوطانكم…

يا من اعتبرتم أن انتصار المغرب هو انتصار لكل عربي…

لكم منا كل الحب، وكل الامتنان، وكل الوفاء.

لقد أثبتم أن الحدود ترسمها الخرائط… أما القلوب، فلا تعرف إلا الأخوة.

قد نختلف في الجنسيات، لكننا التقينا تحت راية الكرامة، والعزة، والمحبة.

أما منتخبنا…

فنحن نحبه كما هو.

سنصفق له عندما يبدع.

وسننتقده عندما يقصر.

لأن الحب الحقيقي لا يجامل، بل يدفع إلى المراجعة، والتصحيح، ثم النهوض من جديد.

ورغم أن الأداء في هذه المباراة لم يكن كما انتظرناه جميعًا، ورغم أن الحلم تأجل، فإن ما صنعته الجماهير سيبقى أعظم انتصار في هذه البطولة.

لقد أثبتم أن المغرب لا يُقاس بعدد الأهداف…

بل بعدد القلوب التي خفقت باسمه.

شكرًا لكل مغربي ومغربية.

شكرًا لكل عربي ساند وآزر.

شكرًا لكل طفل رفع علم المغرب.

شكرًا لكل أم رفعت يديها بالدعاء.

شكرًا لكل أب علّم أبناءه أن حب الوطن لا يرتبط بالفوز فقط، بل بالوفاء في كل الظروف.

أنتم لستم جمهورًا… أنتم روح المغرب، وأنتم قصة عشق لا تنتهي.

وسيأتي يوم، بإذن الله، نرفع فيه كأس العالم، وسيتذكر التاريخ أن ذلك الإنجاز لم تصنعه أقدام اللاعبين وحدها، بل صنعته أيضًا قلوب ملايين المؤمنين بهذا الوطن، الذين لم يتخلوا عنه يومًا.

عاش المغرب… وعاش شعبه الوفي… وعاشت الأمة العربية متحدة بالمحبة والكرامة.

ديما المغرب… في الفوز، وفي الخسارة، وفي كل المواعيد.

وأقترح إضافة جملة أخيرة بعد التوقيع، لأنها ستجعل المنشور يُحفظ ويُتداول كثيرًا:

إذا كان لكل منتخب اثنا عشر لاعبًا، فإن اللاعب الثاني عشر للمغرب كان وسيبقى… شعبه.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.