آراء وأقلام

الدار البيضاء: الحي المحمدي.. ذاكرة المدينة التي لا تُنسى

بقلم: محمد الموستني

  • في قلب العاصمة الاقتصادية، وعلى مقربة من معامل سيدي عثمان، يقف الحي المحمدي شامخا. هو ليس مجرد إسمنت وشوارع، بل هو دفتر يوميات الدار البيضاء. دفتر كُتب بعرق المهاجر، ودمعة المهمش، وصوت الفنان. من هنا مر تاريخ المدينة كله.
  • تأسس الحي سنة 1949 تحت اسم “كاريان سنطرال” لإيواء عمال المعامل القادمين من كل مناطق المغرب. بعد الاستقلال سمي “الحي المحمدي” تيمنا بالملك محمد الخامس طيب الله تراه.
  • . هذا الحي استقبل الفقراء فصنع منهم رجالا، واستقبل الغربة فصنع منها وطنا مصغرا.
    الفقر في الحي المحمدي لم يقتل الإبداع، بل فجره. في مقاهيه الشعبية تربى المناضلون”عبد الرحيم بوعبيد”، وفي ساحاته لعب أبطال كرة القدم”البوستي-بدراوي”،و وفي المسرح “الطيب الصديقي”وفي أزقته ولد الصوت الذي هز المغرب: “ناس الغيوان”. الظاهرة الغيوانية لم تكن صدفة. كانت نتاج طبيعي لحي يعرف معنى الفقر ويعرف معنى المقاومة بالفن. البندير والطمبور كانوا سلاح الحي ضد النسيان.
    حين تسمع “الصينية” أو “ما حماميش” فأنت تسمع الحي المحمدي. وحين تقرأ عن تاريخ النقابات والحركة الطلابية فأنت تقرأ عن أبناء الحي. فالحي المحمدي هو الذين علم البيضاء أن للهامش صوتا، وأن للزنقة جامعة، وأن للألم لغة اسمها الشعر.
    اليوم تغيرت ملامح الحي. سقطت بعض دور الصفيح، وظهرت عمارات جديدة، ودخلت مشاريع المبادرة الوطنية. لكن التحدي باق: البطالة، وغياب المراكز الثقافية، ومحاولة طمس الذاكرة. تحديث المدينة مطلوب، ولكن ليس على حساب قتل روح المكان.
  • الدار البيضاء بدون الحي المحمدي جسد بلا قلب. والحي المحمدي بدون ذاكرته هو مجرد إسمنت. المطلوب اليوم ليس فقط ترميم المنازل، بل ترميم الذاكرة. بتحويل بيوت الفنانين لمتاحف، وبإنشاء مركز “ناس الغيوان” للثقافة، وبإعادة الاعتبار لأبناء الحي.
    فالأمم التي تنسى أحياءها الشعبية، تنسى نفسها.

–

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.