ريان شرقي… كرة القدم ليست حربًا، والمغرب لا تخيفه خطابات المعارك
صوت العدالة- عبد السلام اسريفي
أثار تصريح الدولي الفرنسي ، الذي قال فيه: “نعرف أن المغرب منتخب جيد ويملك الكثير من الجودة، لكن لا تقلقوا… سنذهب إلى الحرب بعد خمسة أيام”، موجة من التفاعل، ليس لأن اللاعبين لا يحق لهم التعبير عن حماسهم، ولكن لأن اختيار الكلمات في مثل هذه المناسبات ليس تفصيلاً عابراً.
كرة القدم ليست حربًا، مهما اشتدت المنافسة، ومهما ارتفع منسوب التحدي. هي مواجهة رياضية تحسمها تسعون دقيقة أو أكثر بقليل، ثم يعود الجميع إلى حياتهم. أما الحروب، فهي تترك خلفها دمارًا وأرامل وأيتامًا، ولا يصح أن تتحول إلى استعارة عادية في ملاعب يفترض أنها تجمع الشعوب ولا تفرقها.
قد يكون ريان شرقي أراد فقط بث الحماس في صفوف منتخب بلاده، لكن تصريحه يكشف أيضًا عن قراءة ناقصة لطبيعة المنتخب المغربي. فـ”أسود الأطلس” لا يدخلون المباريات بمنطق الضجيج الإعلامي أو التصريحات النارية، بل بمنطق العمل والانضباط والرد فوق المستطيل الأخضر.
ولعل شرقي، إن كان قد تابع نصف نهائي كأس العالم 2022، يتذكر أن المنتخب المغربي لم يكن الطرف الأضعف كما توقع كثيرون. يومها قدم المغاربة مباراة كبيرة أمام فرنسا، وغادروا المنافسة مرفوعي الرأس بعد أداء نال احترام العالم، فيما استمرت النقاشات حول بعض القرارات التحكيمية التي أثارت جدلاً واسعًا بين المتابعين.
المغرب اليوم ليس المنتخب الذي يمكن استفزازه بتصريح أو تهويل. إنه منتخب راكم التجربة، ويضم لاعبين ينشطون في أكبر الأندية الأوروبية، ويملك جهازًا تقنيًا يعرف كيف يدير المباريات الكبيرة، كما يملك جماهير تصنع الحدث في كل مكان تحل فيه.
أما لغة “الحرب”، فهي لا تضيف شيئًا إلى كرة القدم. المنتخبات الكبيرة لا تحتاج إلى إعلان المعارك قبل المباريات، بل تترك الكرة تتحدث عنها. فكم من منتخب دخل بثقة زائدة، وغادر بخيبة كبيرة، لأن المستطيل الأخضر لا يعترف بالأسماء ولا بالتصريحات، بل بالأداء والتركيز واستغلال التفاصيل الصغيرة.
وإذا كان شرقي يرى أن فرنسا ستذهب إلى “الحرب”، فإن المغرب سيذهب إلى مباراة كرة قدم، وهذا فرق جوهري. فالمغاربة لا يحتاجون إلى رفع سقف الخطاب، لأنهم تعلموا أن الرد الأقوى يكون بالهدوء والانضباط والقتال الرياضي الشريف حتى صافرة النهاية.
ويبقى احترام المنافس جزءًا من ثقافة الرياضة. فالمنتخب الفرنسي يظل من أقوى منتخبات العالم، ويستحق كل التقدير، كما أن المنتخب المغربي فرض احترامه بإنجازاته ولم يعد مجرد ضيف على المواعيد الكبرى. ولذلك فإن المواجهة المنتظرة ينبغي أن تكون احتفالًا بكرة القدم، لا مناسبة لاستحضار مفردات الحرب.
وفي النهاية، لا أحد ينتصر بالتصريحات قبل انطلاق المباراة. المنتصر الحقيقي هو من يفرض شخصيته فوق أرضية الملعب، ويحترم منافسه، ويغادر مهما كانت النتيجة مرفوع الرأس. أما الكلمات، فتظل مجرد صدى عابر، بينما التاريخ لا يكتب إلا بالأهداف والإنجازات.