شعور الشباب بالإقصاء: أزمة الديمقراطية الداخلية واستمرارية نفس الوجوه
بقلم:محمد الموستني
ينظر إلى الشباب، في الخطاب السياسي الرسمي، باعتباره “ثروة” و”مستقبل الأوطان”. غير أن هذا التقدير اللفظي يصطدم بواقع تنظيمي داخل أغلب الأحزاب السياسية، واقع ينتج عنه شعور متزايد بالإقصاء والاغتراب. فجوهر هذه الأزمة لا يكمن فقط في عزوف الشباب عن المشاركة، بل في بنية حزبية تمنع مشاركتهم الفعلية من الأساس. وينحصر سببان مركزيان لهذا الإحساس: غياب الديمقراطية الداخلية، واستمرار نفس الوجوه في مواقع القيادة لعقود.
ان الديمقراطية الداخلية هي المعيار الذي يُقاس به مدى جدية الحزب في تداول السلطة داخله قبل أن يطالب بتداولها على مستوى الدولة. وهي تعني أن تكون للمؤتمرات المحلية والإقليمية والوطنية كلمة حقيقية في اختيار القيادات وصياغة البرامج.
إلا أن الممارسة الحزبية في كثير من الأحيان تسير في اتجاه معاكس. تتحول المؤتمرات إلى مجرد محطات شكلية للمصادقة على لوائح معدة سلفاً في “المطبخ السياسي” الضيق. ويتم إقصاء الشباب من خلال آليات غير معلنة: معايير ترشيح تعجيزية مبنية على الأقدمية والولاء الشخصي، لا على الكفاءة والأفكار. كما أن النقاش الداخلي الحر يصبح محفوفاً بالمخاطر، فصاحب الرأي النقدي يوصم بأنه “مشاغب” أو “غير منضبط”، مما يدفعه للصمت أو المغادرة.
وهكذا، يجد الشاب المنخرط نفسه أمام حزب يطالبه بالدفاع عن الديمقراطية في الشارع، بينما يمارس داخله منطق التعيين والتزكية. هذا التناقض الصارخ هو أول مصدر للاغتراب. فالشاب لا يرفض الحزب كفكرة، بل يرفض أن يكون مجرد رقم في كشوفات التصويت أو وجهاً في صورة دعائية، دون أن تكون له أي سلطة قرار حقيقية.
ان.الظاهرة الثانية المرتبطة بالأولى هي تكرّس ما يمكن تسميته بـ”أبدية القيادة”. فمناصب الأمانة العامة ورئاسة الفروع والتمثيل البرلماني تصبح حكراً على جيل بعينه، ظل في الواجهة منذ عقود.
يبرر البعض هذا الوضع بـ”الخبرة” و”الثقل السياسي”، لكن أثره على الشباب مدمر. فحين يرى الشاب أن سقف طموحه الحزبي محصور في مهمة تعبئة وتنظيم، وأن طريق الترقي مسدود بسقف زجاجي صنعه الجيل السابق، فإنه يستنتج منطقياً أن الحزب ليس فضاءً للصعود الاجتماعي والسياسي، بل هو نادي مغلق.
هذا الاحتكار يقتل التجديد الفكري. فالأحزاب التي لا تجدد نخبها، تتكرر خطاباتها وتتجمد مواقفها، وتصبح عاجزة عن فهم لغة وقضايا جيل جديد. فينعزل الحزب عن المجتمع، وينعزل الشباب عن الحزب.
إن تراكم هذين العاملين ينتج شعوراً مركباً بالإقصاء. وهو ليس إقصاءً مادياً فقط، بل إقصاء رمزي ومعنوي. الشاب يشعر بأنه “مُستعمل” انتخابياً، لا “مُشترك” سياسياً. ونتيجة هذا الشعور ليست فقط العزوف عن التصويت، بل الأخطر منه: العزوف عن العمل السياسي المنظم برمته.
قد يتجه جزء من الشباب نحو الفضاء الرقمي، وجزء آخر نحو العمل الجمعوي أو الفردي، بحثاً عن مساحات يملك فيها صوتاً مسموعاً وقراراً مؤثراً. وهكذا تخسر الأحزاب طاقاتها التجديدية، وتخسر الدولة فاعلين سياسيين محتملين.
إن معالجة أزمة عزوف الشباب لا تبدأ بحملات توعية موجهة إليهم، بل بإصلاح بنيوي داخل الأحزاب نفسها. فالديمقراطية لا يمكن تصديرها للخارج وهي مفقودة في الداخل.
إن فتح الباب أمام تناوب حقيقي على القيادة، واعتماد الكفاءة معياراً، وضمان حرية النقاش الداخلي، هي الشروط الوحيدة لكسر جدار الإقصاء. فبدون هذه الخطوة، سيبقى خطاب “الشباب هم المستقبل” مجرد شعار استهلاكي، وسيبقى المستقبل بلا شباب حزبيين يؤمنون به.