ثقافة وفنون

مجلة «إنصاف» تسلط الضوء على آفاق التكامل بين الوساطة المؤسساتية والمجتمعية بالمغرب

صدر خلال الأسبوع الأول من أكتوبر الجاري العدد السادس عشر، خريف 2026، من مجلة «إنصاف»، الصادرة عن مؤسسة وسيط المملكة، حاملا ملفا خاصا بعنوان «خرائط الوساطة المؤسساتية والاجتماعية»، يسلط الضوء على التحولات التي تعرفها الوساطة بالمغرب، ودورها في تدبير النزاعات وتعزيز الثقة، إلى جانب استكشاف سبل التكامل بين المؤسسات الرسمية ومكونات المجتمع المدني في معالجة التظلمات وتقريب وجهات النظر.

ويفتتح العدد بكلمة وسيط المملكة، الأستاذ حسن طارق، تحت عنوان «في الحاجة إلى تكامل الوظائف بين الوساطة المؤسساتية والمجتمعية»، التي تطرح أهمية بناء نظام وطني للوساطة يقوم على التكامل بين الوظائف الحقوقية والإدارية والمدنية، بما يواكب تطور طبيعة التظلمات وتزايد ارتباطها بالسياسات العمومية وانتظارات المجتمع.

ويتضمن الملف مجموعة من الدراسات التي تقارب الوساطة من زوايا متعددة، حيث يقدم فوزي بوخريص دراسة بعنوان «سؤال الوساطة الجمعوية والمدنية بالمغرب: بعض تجارب ودروس الوساطة الاجتماعية»، يستعرض فيها نماذج من التجارب الترابية والأسرية والتعليمية، فضلا عن المبادرات التي تقودها جمعيات مغاربة العالم، مبرزا إسهام الفاعلين المدنيين في تسوية النزاعات وترميم العلاقات الاجتماعية، والحاجة إلى تعزيز استقلالية هذه المبادرات وتأهيلها وتنسيق تدخلاتها مع الوساطة المؤسساتية.

من جهته، يتناول الحبيب استاتي زين الدين، في دراسة بعنوان «الوساطة بوصفها لغة ثالثة بين القانون والسياسة: تحولات تعزيز الشرعية في المغرب»، مكانة الوساطة في تدبير الخلافات وإعادة بناء الثقة بين الأطراف، متوقفا عند عدد من الحالات القطاعية والمجالية، وما تثيره من تساؤلات بشأن شروط ترسيخ الوساطة باعتبارها ممارسة مؤسساتية مستدامة قائمة على الحوار والتفاوض.

كما يبحث مصطفى أوسرار، من خلال دراسة «الوساطة المؤسساتية من منظور سيكوسوسيولوجي: محاولة للفهم»، في تأثير التمثلات والهويات والانفعالات على العلاقة بين المرتفق والإدارة، مسلطا الضوء على أهمية استحضار الأبعاد النفسية والاجتماعية في فهم النزاعات وتطوير آليات الوساطة وتحسين العلاقة بين الإدارة والمواطنين.

وفي القسم الفرنسي، تتواصل مقاربة موضوع الوساطة من خلال ثلاث مساهمات علمية؛ إذ يناقش مصطفى يحياوي الحدود الفاصلة بين المواكبة الاجتماعية والوساطة، انطلاقا من تجربة تدبير برامج معالجة دور الصفيح بالمغرب، مع التركيز على شرعية الطرف الثالث ودوره في تقريب المصالح بين مختلف المتدخلين والسكان.

وتتوقف سميرة مزبار عند تجربة حراك فجيج، متتبعة مسار الانتقال من الوساطة الاجتماعية إلى الوساطة المؤسساتية، في ضوء الخصوصية المجالية والتاريخية للواحة وتجربتها في تدبير الموارد المائية. أما مريم الهواري، فتتناول انتقال القاضي إلى ممارسة وظيفة الوسيط المؤسساتي، من خلال تحليل أثر الخبرة المهنية والقانونية المكتسبة في القضاء، وشروط توظيفها ضمن مقاربة تقوم على الحوار والتفاوض.

وبعيدا عن الملف الرئيسي، يخصص العدد حيزا للدراسات، من خلال مساهمة المختار الهراس المعنونة بـ«الأدوار والآليات الممكنة للبحث العلمي في دعم إدارة المساواة»، التي تبحث في دور المعرفة العلمية والبحث الميداني في رصد الفوارق وتعزيز إدماج المساواة بين الجنسين داخل التنظيمات والمؤسسات والسياسات والممارسات الإدارية.

وفي باب الحوارات، يستضيف العدد صلاح الوديع، الذي يستحضر تجربته في عدد من الملفات الاجتماعية والاحتجاجية، متناولا مصادر مشروعية الوسيط وأهمية الإنصات الفعال في تقريب المواقف، فضلا عن ضرورة الوفاء بالالتزامات الناتجة عن عمليات الوساطة، باعتبارها عنصرا أساسيا في بناء الثقة وضمان استمرارية التفاهم بين الأطراف.

أما باب القراءات، فيتضمن مساهمة لشيماء الغازي بعنوان «بناة عابرون للأزمنة»، تقارب من خلالها كتاب «المؤسسات اللامرئية» لبيار روزنفالون، مع التركيز على أدوار الثقة والسلطة والمشروعية في بناء الروابط التي تؤسس للمشترك الجماعي.

ويضم باب الترجمات دراسة ديل باغشو «الوساطة في عالم اليوم: الفرص والتحديات»، التي ترجمها إبراهيم بداني، وتناقش التحولات التي تعرفها النزاعات المعاصرة، إلى جانب التحديات المرتبطة بنقل نماذج الوساطة الغربية وتطبيقها في سياقات ثقافية واجتماعية مختلفة.

ويختتم العدد بتقرير حول أشغال الحلقة النقاشية «الوساطة المؤسساتية والاجتماعية في المغرب: الآليات والتحديات والدروس المستفادة»، التي نظمتها مؤسسة وسيط المملكة بشراكة مع مؤسسة فريدريش نومان من أجل الحرية، وشكلت مناسبة لتبادل الرؤى بشأن التجارب القائمة في مجال الوساطة، وحدود تدخلاتها، والآفاق الممكنة لتطوير التنسيق بين المبادرات المؤسساتية والمدنية.

ويعكس مضمون العدد السادس عشر من مجلة «إنصاف» اهتماما متزايدا بتطوير الوساطة باعتبارها آلية لتدبير الخلافات وتعزيز الحوار وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، كما يبرز أهمية تجاوز المقاربات المنعزلة نحو تصور متكامل يستثمر إمكانات المؤسسات الرسمية وفعاليات المجتمع المدني، بما يدعم تسوية النزاعات ويعزز المشاركة في معالجة القضايا الاجتماعية والإدارية.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.