“هندسة الفقه المستقبلي والسياسة الجنائية الاستباقية: نحو نظام خوارزمي رقمي يحمي “السلالة اليتيمة” ويحصن الأمومة والأعراض من الاغتراب
بقلم: وليد مشتكي/ مبتكر الفقه المستقبلي في السياسة الجنائية والتحول الرقمي
صوت العدالة: مكتب مراكش
في خضم النقاش الوطني المفتوح حول ورش تعديل مدونة الأسرة، وتفعيلاً للتوجيهات الملكية السامية لـأمير المؤمنين كصمام أمان للأمة وقاعدته الذهبية الثابتة: «لن أحل ما حرم الله، ولن أحرم ما أحل الله»، يبرز تقصير أكاديمي تشريعي خطير وفجوة معرفية فادحة لدى اللجان الصياغية. إن معالجة منظومة الإرث—وتحديداً مسألة التعصيب وإرث الأخ عند غياب الابن الذكر وجود الزوجة والبنات—بمنطق صوري معزول يعتمد على تقطيع الحصص وتوزيع الأرقام الصماء داخل مكاتب مكيفة، دون “إسقاط النازلة على النفس” ودون استحضار للأبعاد البيولوجية والجنائية، قد قاد التشريع إلى إنتاج انحلال أخلاقي وتفكك عائلي غير مقصود، بالرغم من حسن النية المزعومة.
إن هذا المقال القانوني والفكري يتوجه مباشرة إلى رئيسة الحكومة الحالية، ليس فقط بصفتها الدستورية والسياسية، بل بوعيها الإنساني والوجداني بـمعنى الأمومة، والإنصاف، وحرمة الأعراض. وهو مطلب تشريعي استراتيجي كفيل بـاستقطاب وكسب الفئة الصامتة من المغاربة؛ تلك الكتلة العريضة غير المسجلة في اللوائح الانتخابية أو المقاطعة للصناديق، والتي لا تحركها الإيديولوجيات الجافة، بل تنتظر سياسات حكومية استباقية تحكم العقل وتضمن أمن الأسرة المستدام، دون تكليف ميزانية الدولة درهماً واحداً أو خلق مصاريف وإدارات جديدة.
أولاً: الجهالة الفقهية الأكاديمية وإجهاض الفقه المستقبلي
إن الخلل المنهجي الذي تعاني منه النخب التشريعية يكمن في عجزها عن فهم “الفقه المستقبلي” الذي تأسس عليه المذهب المالكي السليم وقواعد الشرع في القديم. إن إرث الأخ الشقيق أو لأب تعصيباً لم يأتِ أبداً في الإسلام كـ”غنيمة مالية مجانية” أو امتياز ذكوري عبثي، بل كان عقد تكليف مادي وأخلاقي صارم وتذكيراً بالدم والسلالة.
كان هذا النظام مبنياً على قاعدة “الغنم بالغرم”؛ فالأخ ملزم بقوة الدين والعرف بالإنفاق على بنات أخيه اليتامى، والذود عنهن، وضمهن لبيته، وتحصين الأرملة الشابة بيولوجياً ونفسياً عبر “زواج الستر” أو الكفالة المطلقة لحمايتها من العوز والضياع. لقد ارتكب المشرع المعاصر جناية تشريعية عندما عامل الأخ كخصم مالي مجرد، وتغافل عن تصنيف الإخوة إلى نوعين:
الأخ الفاسد : الذي يتخلى عن مسؤولياته ويسارع للمحاكم لطرد البنات والزوجة من بيت الزوجية لاستخلاص حصته المادية.
الأخ الوفي والصالح : الذي يمثل السند، والامتداد الروحي للأب، والدرع الحامي للحم والدم.
ثانياً: الفراغ الجنائي المعاصر ومأساة “الزوج الأجنبي المستغل”
إن تغاضي الدولة عن وضع ترسانة حمائية موازية، وتهميش دور “العصبة الصالحة” بدعوى التحديث، أدى إلى خلق فراغ أمني واجتماعي رهيب. فالمرأة الأرملة في سن الشباب، وبحكم طبيعتها البيولوجية والنفسية والأمومية، جربت الحياة الزوجية والاستقرار، ولا يمكن للقانون أن يفرض عليها عزلة تعارض الطبيعة البشرية.
وعند غياب الأخ الوفي بداعي التهميش القانوني، تصبح التركة والأرملة والبنات عرضة لــدخول أطراف أجنبية وغريبة عن السلالة. ولنأخذ مثالاً حياً وواقعياً: “شخص مغربي متوفى ترك زوجة وبنات وعماً صالحاً مستعداً للبذل والرعاية، وبسبب جمود القوانين وجفافها، تضطر الأرملة للزواج من رجل أجنبي (كزوج من جنسية أخرى أو غريب عن العائلة). هذا الزوج الأجنبي يقتحم بيت الهالك، ويستغل الأرملة مادياً وجسدياً، ويوجه اهتمامه لأبنائه البيولوجيين الجدد منها فقط، بينما يقصي بنات الهالك المغربي ويضطهدهن، ويُحرم العم الصالح بقوة القانون من رؤية لحمه ودمه أو التدخل لحمايتهم”. هنا يتساءل العقل التشريعي: من الضامن والحامي للبنات في هذا الوضع المعاصر؟ لقد تخلت الدولة بغفلة منها عن جهاز المناعة الاجتماعي الطبيعي للعائلة.
ثالثاً: المقاربة الرقمية والخوارزمية للسياسة الجنائية الأسرية
إن المشرع المغربي مطالب اليوم بالتوقف عن التخبط في الأوهام التشريعية المستوردة، وإسقاط الحالات على ذاته؛ فهل يرضى واضع القانون لنفسه وبناته هذا المصير؟ بالطبع لا. والحل يكمن في دمج التحول الرقمي والذكاء الخوارزمي بالسياسة الجنائية الاستباقية من خلال الآتي:
النظام الخوارزمي الاجتماعي : بدلاً من صب قوانين جامدة وتعميمها على الصالح والفاسد، يجب خلق نظام خوارزمي قضائي رقمي يربط منح الحقوق والأنصبة والوصاية بالبحث الاجتماعي الرقمي الدقيق. تقيس الخوارزمية مدى أهليّة وسلوك “العم”؛ فإذا ثبت أنه “أخ وفي وصالح” يُمنح صفة العاصب الحمائي وتُفعل أدوار مشورته وولايته المادية والتربوية لجمع شمل السلالة. أما إذا ثبت جشعه أو فساده، يُحجب فوراً ويُفعل نظام “الرد” لصالح الزوجة والبنات لمنع طردهن.
تجريم التقصير في حق الأسرة اليتيمة: تمديد السياسة الجنائية لتشمل نصوصاً تجرم صراحة استغلال الأزواج الأجانب والغرباء لتركة الآباء المتوفين، وتجرم عزل العصبة الدموية الصالحة عن دورها الرقابي.
إعادة تفعيل “مجلس العائلة الاستباقي” رقمياً : عبر منصات الوزارة الوصية لتحديد المسؤوليات المالية والأخلاقية فور وقوع الوفاة، بمراقبة مباشرة من النيابة العامة ورقابة الدولة، تفعيلاً لمبدأ “وأمرهم شورى بينهم”.
خاتمة النداء
إن هذا المطلب لا يتطلب ميزانيات أو هياكل إدارية تستنزف خزينة الدولة، بل يتطلب فقط تحكيم العقل والجرأة التشريعية. إن حماية الأمن البيولوجي والمادي للأمومة وبنات الهالك لا تكون بهدم الروابط الدموية، بل بـتقنينها وحمايتها وتنقيتها من الانتهازيين. إنها دعوة صادقة للحكومة الحالية، تحت لواء إمارة المؤمنين، لصياغة إصلاح أسري عميق يحفظ لحم المغاربة ودمهم وأعراضهم من الاغتراب والاستغلال، وهو السبيل الوحيد لإيقاظ وثقة “الفئة الصامتة” التي لا ترى في القوانين مجرد نصوص، بل درعاً يحمي فلذات أكبادها بعد الممات.
استنتاجات فقهية مستقبلية ومواجهة المشرع بأخطائه التخريبية
إن الوقوف على مآلات النصوص المعاصرة يفرض علينا مواجهة المشرّع بـحجم الإساءة والخطايا التشريعية الكبرى التي ارتكبها نتيجة افتقاره لأدوات التوقع والاستشراف. ومن منطلق أدبيات “الفقه المستقبلي”، نلخص هذه الأخطاء الكارثية وما ستؤول إليه من أمور تخريبية في أربعة محاور أساسية:
الخطيئة الأولى : بتر جهاز المناعة الاجتماعي وعزل الأخ الوفي
لقد أساء المشرع حين حوّل نظام العصبة في مدونة الأسرة إلى سوط مالي يسلط على النساء، عوض أن يجعله ميثاقاً للرعاية. خطيئة المشرع الكبرى هي إغلاق الباب أمام “الأخ الوفي”، وحرمانه من غطائه القانوني الذي كان يتيح له احتضان بنات أخيه. هذا البتر التشريعي لروابط القرابة الدموية نزع الأمان المعنوي عن السلالة المغربية وترك العم أجنبي غريباً داخل دمه.
الخطيئة الثانية: الجهل بالحقائق البيولوجية وفتح الباب للاختراق
ارتكب المشرع خطأً فادحاً حين تعامل مع الأرملة الشابة ككائن حسابي مجرد ينتهي دورها بأخذ ثمن التركة. لقد أغفل المشرع احتياجاتها البيولوجية والتحصينية الطبيعية، ولم يبتكر حلولاً تحفيزية داخل محيط السلالة -كتقنين زواج الستر مع الأخ الوفي بشروط خوارزمية صارمة-. هذا القصور أسلم الأمهات الأرامل مرغمات لـمخالب الاستغلال من قِبل “الأزواج الأجانب والغرباء”، الذين يقتحمون البيوت لتدمير نفسية اليتامى والسطو المبطن على شقاء الآباء المتوفين.
الآثار التخريبية : صناعة الانحلال وصدمة تفكك الهوية الدموية
إن ما ستؤول إليه الأمور—إن استمر المشرع في غيبوبته الأكاديمية والتقليد الأعمى للمفاهيم الجافة—هو تخريب شامل لمنظومة القيم. نحن أمام صناعة تشريعية غير مقصودة للانحلال الأخلاقي؛ حيث ستتحول بيوت المغاربة المتوفين إلى بؤر صراع يديرها غرباء، ويُهجّر منها الأبناء الشرعيون، مما ينتج جيلاً من اليتامى الحاقدين على منظومة القرابة وعلى الدولة التي عجزت عن حمايتهم، لينتهي الأمر بانهيار مبدأ التضامن الأسري الذي ميز المغرب لقرون.
دعوة للاستفاقة قبل فوات الأوان
إن الفقه المستقبلي في السياسة الجنائية والتحول الرقمي يضع المشرع اليوم أمام مرآة الحقيقة ليرى حجم الجرم الذي اقترفته يداه بحسن نية. إن الاستمرار في تغافل المقاصد والهروب نحو مسكنات قانونية صورية هو مساهمة فعلية في هندسة الخراب الاجتماعي. على المشرع والحكومة الحالية، المساهمة في مساعدة ومساندة إمارة المؤمنين لا التكليف عليها ، ومن تم أن يتداركوا هذا التقصير الفادح، بتبني المعيار الخوارزمي الرقمي الذي يفرز الصالح من الفاسد، ويعيد الحق للأمومة والوفاء، لإنقاذ السلالة اليتيمة من الضياع والاغتراب بين أيدي الأجانب.
التوصيات الختامية والمخرجات التشريعية :
بناءً على القراءة المقاصدية المعمقة، واستناداً إلى أدبيات “الفقه المستقبلي في السياسة الجنائية والتحول الرقمي”، نرفع إلى الحكومة واللجان التشريعية المكلفة بتعديل مدونة الأسرة التوصيات الاستراتيجية التالية، المستمدة مباشرة من روح القرآن الكريم والسنة النبوية، لتصحيح خطأ المشرع الذي نظر إلى الدين بسوء نية (عبر حصر النص الفقهي في نماذج ممارسات سيئة) وغفل عن حسن المقاصد وغايات التحصين الحاضرة في الوحيين:
- دستورية الرابطة الأسرية الصالحة (العم الوفي كأصل شرعي)
التوصية: إعادة الاعتبار لمفهوم “العصبة الصالحة” و”العم الوفي” في المنظومة التشريعية. فالقرآن والسنة لم يشرعا إرث التعصيب لتمكين الجشع، بل لتأطير رابطة القرابة الحامية . يجب أن ينص القانون صراحة على أن العم الصالح هو امتداد بيولوجي وأخلاقي للأب المتوفى، له حقوق المشورة والرقابة العائلية لحماية دمه وسلالته.
الأساس التشريعي: الفقه القديم استنبط الأحكام بناءً على مجتمع متكافل؛ ولولا وجود مفاهيم “حسن النية” والتكافل والتآخي في الدين، لما عرف القانون الوضعي أصلاً كيفية صياغة وتحديد أركان الجرائم الاجتماعية وجرائم إهمال الأسرة. - مأسسة طريقة الإرث القرآنية عبر آلية “الغُنم بالغُرم”
التوصية: الالتزام الصارم بـطريقة الإرث كما جاءت في القرآن الكريم (الفروض المقدرة للزوجة والبنات)، مع ربط “الباقي تعصيباً” للأخ بشرط قانوني وجنائي حاسم: “الالتزام بالنفقة والرعاية”.
الآلية: لا يتم تمكين الأخ من نصيبه المالي إلا بعد توقيعه الرقمي على التزام قانوني بالنفقة على بنات أخيه اليتامى والمساهمة في حمايتهم؛ فإذا امتنع أو ثبت سوء نيته، يُحجب ويُحرم بقوة القانون ويتم اللجوء لنظام “الرد” لصالح الأرملة والبنات. - إحياء المقاصد البيولوجية للتعدد (زواج الستر والتحصين العائلي)
التوصية: الكف عن شيطنة نظام تعدد الزوجات كما جاء في القرآن الكريم، وفهم أبعاده الحمائية للأرملة الشابة. يجب تيسير وتقنين “زواج الستر” داخل محيط العائلة الممتدة (زواج الأخ الوفي من أرملة أخيه المتوفى برضاها) كأولوية تشريعية تحمي الأمن البيولوجي للأرملة، وتضمن تربية البنات اليتامى في حضن دمهن وسلالتهن، بدلاً من تركهن للاغتراب والضياع تحت رحمة أزواج أجانب وغرباء.
الهدف: خفض منسوب اليتم، ومنع تشتت الأبناء، والحفاظ على التوازن النفسي والجسدي للأرملة الشابة في إطار شرعي وقانوني مصون. - حماية حقوق بيت الزوجية من الاختراق الأجنبي
التوصية: وضع ترسانة قانونية مشددة تمنع الزوج الأجنبي (الغريب عن السلالة) من السطو المادي أو التربوي على بيت الزوجية الخاص بالهالك. يجب أن تظل الولاية الرقابية على أموال اليتامى وبنات الهالك مشتركة بين الأم والأخ الوفي (العم) تحت نظارة القضاء الرقمي، لمنع أي استغلال جسدي أو مادي للأرملة وبناتها من طرف الدخلاء. - الدمج الرقمي والخوارزمي لاستشراف المستقبل وتزكية الماضي
التوصية: الارتكاز على التحول الرقمي عبر تفعيل ” نظام خوارزمي جنائي وأسري استباقي ” -Predictive Algorithmic System-. يقوم هذا النظام بمسح رقمي واجتماعي فوري عند وقوع الوفاة لتصنيف الأخ (هل هو وفيّ أم فاسد؟)، وقياس المآلات المستقبلية للأسرة اليتيمة.
الغاية: هذا النظام يضمن تزكية صحة الماضي (الأحكام الشرعية والمقاصدية الثابتة للقرآن والسنة) وتأكيد المستقبل عليها بآليات رقمية معاصرة تفرز الخبيث من الطيب، وتحمي الأمن الأخلاقي للمجتمع دون تكليف ميزانية الدولة أي مصاريف إضافية.
نتائج حتمية وفقهية مستقبلية:
إن إساءة المشرع المعاصر للدين ناتجة عن عدم فهمه للمقاصد الاستباقية؛ فالشريعة لم تأتِ لتمكين الفاسد، بل لتكليف الصالح .
وتطبيق هذه التوصيات الخوارزمية كفيل بقطع دابر التخريب الاجتماعي، ولإعادة الفئة الصامتة إلى حضن الثقة في قوانين بلدها التي تحمي اللحم والدم والأعراض تحت ظلال إمارة المؤمنين .