أخبار وطنية

عبدالإله الخضري رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان يكتب: الانتخابات التشريعية 2026.. حين تكشف صناديق الاقتراع أزمة الثقة وتضع نزاهة المسار الديمقراطي أمام الاختبار

أبو إياد / مكتب مراكش

في تقرير جديد يحمل دلالات سياسية وحقوقية لافتة، وضع المركز المغربي لحقوق الإنسان الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 تحت مجهر الرصد الحقوقي، مسلطاً الضوء على عدد من الاختلالات التي رافقت العملية الانتخابية، ومثيراً أسئلة عميقة حول المشاركة السياسية، وتكافؤ الفرص، وتأثير المال، فضلاً عن التحديات الجديدة التي فرضها الفضاء الرقمي.
التقرير، الذي أعدته اللجنة الوطنية لرصد ومواكبة المناخ الحقوقي للاستحقاقات الانتخابية 2026 التابعة للمركز، اختار شعار: «من أجل تحصين الإرادة الشعبية وضمان النزاهة وتكافؤ الفرص في الفضاءين العام والرقمي»، مؤكداً أن الهدف من الرصد لم يكن تقييم النتائج السياسية بقدر ما كان الوقوف على المناخ الحقوقي والديمقراطي الذي أحاط بالاقتراع.
من أبرز الخلاصات التي توقف عندها التقرير، تراجع نسبة المشاركة الوطنية إلى 38.02 في المائة، معتبراً أن هذا الرقم يعكس، وفق قراءة المركز، استمرار أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات الحزبية والسياسية، خصوصاً في المدن الكبرى.
ويذهب التقرير إلى أن ضعف المشاركة لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد رقم انتخابي، وإنما باعتباره مؤشراً على الحاجة إلى إعادة بناء جسور الثقة بين الناخب والفاعل السياسي، وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي والتأطير المدني والسياسي.@
كما أثار المركز الانتباه إلى ضعف حضور الشباب في العملية الانتخابية، مقابل ارتفاع نسبة المسجلين من الفئات العمرية الأكبر سناً، معتبراً أن هذا الاختلال يطرح تحدياً حقيقياً أمام مستقبل المشاركة السياسية وتجديد النخب.
وسجل التقرير بإيجابية عدداً من المستجدات القانونية التي رافقت الاستحقاق، خاصة توسيع موانع الأهلية والترشح، وتكريس آليات لتعزيز مشاركة النساء والشباب.
غير أن المركز اعتبر أن الواقع الانتخابي كشف عن استمرار فجوة بين المقتضيات القانونية والممارسة السياسية، مستشهداً بضعف حضور النساء على رأس اللوائح المحلية، إلى جانب محدودية الترشيحات المستقلة للشباب.
ويرى التقرير أن الرهان على تجديد النخب السياسية لا يمكن أن يظل رهين مقتضيات قانونية أو ترتيبات انتخابية، بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية تفتح المجال أمام الشباب والنساء للمشاركة الفعلية في صناعة القرار.
وفي واحدة من أكثر النقاط حساسية، تحدث المركز عن استعمال المال والمنافع العينية في التأثير على الناخبين، معتبراً أن هذه الممارسات تشكل أحد أكبر التحديات أمام نزاهة المنافسة وتكافؤ الفرص.
كما أشار إلى ما وصفه بوجود سماسرة في محيط بعض مراكز الاقتراع، ومحاولات لتوجيه الأصوات والحشد غير القانوني، فضلاً عن رصد ممارسات مرتبطة باستغلال بعض الإمكانيات العمومية في الحملات الانتخابية.
ويشدد التقرير على أن محاربة المال الانتخابي لا ينبغي أن تقتصر على يوم الاقتراع، بل يجب أن تشمل مختلف مراحل العملية الانتخابية، من التمويل إلى الحملات وصولاً إلى مراقبة الإنفاق الانتخابي.
ولم يعد التحدي الانتخابي، وفق التقرير، محصوراً في الفضاء العام التقليدي، بعدما أصبح الفضاء الرقمي ساحة رئيسية للتنافس السياسي.
فقد سجل المركز انتشار محتويات مفبركة، واستعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، إلى جانب الحسابات الوهمية التي يمكن أن تستخدم لتشويه الخصوم أو نشر أخبار مضللة.
كما توقف التقرير عند تداول صور ومقاطع من داخل المعازل الانتخابية، معتبراً أن تصوير بطاقات التصويت قد يمس بمبدأ سرية الاقتراع، وقد يفتح الباب أمام ممارسات مرتبطة بإثبات التصويت مقابل المال.
ويرى المركز أن التطور التكنولوجي بات يفرض مراجعة الإطار القانوني المؤطر للحملات الانتخابية، بما يضمن مواجهة التضليل الرقمي دون المساس بحرية الرأي والتعبير.
ومن أكثر الملفات التي أثارت انتباه التقرير، ما وصفه المركز بوقائع تمس سلامة أوراق التصويت في مكتبي تصويت بمدرسة القدس بطنجة، مشيراً إلى أن لجان تفتيش مركزية باشرت أبحاثاً في الموضوع، وأن الملف أحيل على النيابة العامة.
واعتبر المركز أن الكشف عن نتائج الأبحاث والتحقيقات القضائية والإدارية المرتبطة بهذه الوقائع وغيرها من الملفات الانتخابية من شأنه تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات وفي سلامة العملية الديمقراطية.
كما سجل التقرير حالات قال إنها تتعلق بعدم تمكين ممثلي بعض اللوائح من نسخ محاضر التصويت، إضافة إلى حالات تضييق أو عرقلة لمهام بعض الملاحظين المعتمدين.
ويعتبر المركز أن تمكين الملاحظين من أداء مهامهم ومتابعة عمليات التصويت والفرز ليس امتيازاً، وإنما جزء من منظومة المراقبة المستقلة والشفافية الانتخابية.
ولم يكتف التقرير بتشخيص الاختلالات، بل قدم مجموعة من التوصيات، أبرزها ضرورة الكشف عن نتائج الأبحاث المرتبطة بالجرائم الانتخابية وشراء الأصوات، وتشديد الرقابة على مصادر وأوجه الإنفاق الانتخابي، ووضع إطار قانوني أكثر وضوحاً للدعاية الرقمية والذكاء الاصطناعي.
كما دعا إلى حماية سرية التصويت، وتطوير منظومة الملاحظة الانتخابية المستقلة، وإطلاق حوار عمومي حول سبل استعادة ثقة الشباب والطبقة الوسطى في العمل السياسي، فضلاً عن تعزيز حضور النساء والشباب في مواقع الترشيح وصناعة القرار.
وبقراءة شاملة لخلاصات التقرير، يبدو أن الرسالة الأساسية التي يوجهها المركز المغربي لحقوق الإنسان تتجاوز تقييم انتخابات 23 شتنبر 2026، لتطرح سؤالاً أكبر حول مستقبل الثقة في المؤسسات السياسية والديمقراطية بالمغرب.
فالانتخابات، بحسب هذه القراءة، لا تكتسب مشروعيتها فقط من تنظيم الاقتراع وفرز الأصوات وإعلان النتائج، وإنما من قدرة المنظومة بأكملها على ضمان حرية الاختيار، ونزاهة المنافسة، وتكافؤ الفرص، وحماية إرادة الناخب من المال والتضليل والضغط.
وبينما تنتهي الاستحقاقات الانتخابية بإغلاق صناديق الاقتراع، فإن النقاش الحقيقي حول جودة الديمقراطية، وثقة المواطن، وتجديد النخب، ونزاهة المنافسة السياسية يبدو أنه بدأ لتوه.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.