محمد الموستني: صوت العدالةغياب المثقف العضوي النقدي عن الساحة السياسية حولها من رسالة إلى بيزنس.
ان ما نشهده اليوم من انحطاط في الخطاب السياسي المغربي ليس مجرد أزمة أخلاقية عابرة أو سوء تقدير من بعض الأفراد، بل هو تجلٍّ واضح لتحول عميق في بنية الحقل السياسي نفسه، تحول يمكن تلخيصه في انتقال السياسة من كونها رسالة إلى كونها بيزنس، وهذا التحول لا يمكن فهمه إلا من خلال فهم التحول الذي طرأ على موقع المثقف داخل هذا الحقل. لقد كان الحزب السياسي في المغرب، خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فضاءً لإنتاج الأفكار، وكان المثقف العضوي بالمعنى الغرامشي النقدي هو محركه الأساسي، مثقف يخرج من رحم معاناة المجتمع، يحمل همومه ويحولها إلى برنامج، وكان حضوره هو ما يمنح للسياسة قدسيتها كرسالة، فالصراع كان حينها صراعاً بين مشروعين مجتمعيين، بين تصورين للعدالة والهوية والدولة، حتى وإن كان صراعاً حاداً، فهو صراع أفكار. لكن ابتداء من مرحلة التسعينات، ومع تغلغل منطق السوق داخل الأحزاب، أصبح الحزب يبحث عن من يموله لا عن من يفكر له، فالمثقف النقدي بطبيعته مزعج، كثير السؤال، قليل الولاء، بينما المقاول الانتخابي مطيع، يدفع بسخاء ويصوت بلا نقاش، فتم تهميش الأول بشكل ممنهج، ليس لأنه فشل في أداء دوره، بل لأنه نجح فيه أكثر من اللازم، فانسحب المثقف النقدي إلى الجامعة وإلى هامش وسائل التواصل، تاركاً فراغاً مهولاً لم يبق فارغاً طويلاً، بل ملأه نوع آخر من المثقفين، وهو المثقف العضوي ولكن ليس لمصلحة الشعب، بل لمصلحة البيزنس، إنه المثقف المؤدلج الخانع التابع، مثقف لا ينتج فكرة بل يبرر صفقة، ولا يدافع عن قيمة بل يدافع عن مصلحة الجهة التي تموله، سواء كانت حزباً أو شركة أو لوبياً، وهذا المثقف التابع هو الأخطر لأنه يرتدي عباءة المثقف ولكنه يمارس دور السمسار، يزين القبح السياسي بمفردات حداثية، ويبرر الانحطاط بخطاب المصلحة الوطنية أو الواقعية السياسية. وعندما هيمن هذا النوع، تحولت السياسة بشكل طبيعي إلى بيزنس، لأن من يديرها الآن ليس صاحب رسالة بل صاحب مقاولة، فالمقعد أصبح استثماراً يجب استرجاعه عبر الصفقات، والخصم السياسي لم يعد منافساً فكرياً يجب تفنيده، بل منافساً تجارياً يجب تشويه سمعته وإفلاسه رمزياً عبر السب والقذف وتسريب التسجيلات، وهذا هو جوهر الخطاب المنحط الذي نراه اليوم، فهو ليس انعكاساً لمستوى ثقافي ضعيف فحسب، بل هو لغة السوق السوداء للسياسة، لغة المضاربة والتشهير التي يتقنها المثقف التابع أكثر من غيره. إن عزوف الشباب المغربي اليوم ليس عزوفاً عن السياسة كمفهوم، بل هو عزوف عن هذا البيزنس الذي يسمى زوراً سياسة، وعن هذا المثقف المزيف الذي يسمى زوراً نخبة، ولن تعود للسياسة رسالتها إلا بعودة المثقف العضوي النقدي الذي يقول الحقيقة ولو كانت مرة، وهي عودة تتطلب شجاعة من المثقف ليتسخ بالسياسة، وشجاعة من الأحزاب لتتحمل إزعاج المثقف.