أخبار فنية

«ضباب».. مسرحية نفسية تغوص في دهاليز الذاكرة والانتقام وتترك الحقيقة معلقة

تقدم المسرحية المغربية «ضباب» تجربة درامية تنبش في أعماق النفس البشرية، من خلال لقاء غامض يجمع أربعة أشخاص تربطهم علاقات عائلية متشابكة، قبل أن يتحول هذا اللقاء إلى مواجهة مفتوحة على الأسرار والشكوك والاتهامات.
وتدور أحداث المسرحية حول زوج وزوجته الحامل، وشقيق الزوج، ووالد الزوجة، حيث تبدأ الوقائع في أجواء تبدو عادية، قبل أن تتصاعد حدة التوتر تدريجياً، لتنكشف أمام الجمهور خيوط قصة قديمة مرتبطة بحادثة مقتل الأب، ظلت حقيقتها مدفونة لسنوات.
وتضع «ضباب» شخصياتها الأربع في مواجهة مباشرة مع ماضيها، إذ يحمل كل واحد منها جراحاً نفسية وذاكرة مثقلة بالظلم والمعاناة، فضلاً عن دوافع خفية يمكن أن تقوده إلى الانتقام. ومع احتدام المواجهة، تتعدد الاتهامات وتتضارب الروايات، لتصبح الحقيقة نفسها موضع شك، ويجد المتلقي أمام سؤال مركزي: من قتل الأب؟
وتزداد الحبكة تعقيداً مع اكتشاف أن لكل شخصية تقريباً سبباً قد يدفعها إلى ارتكاب الجريمة، بعدما راكمت سنوات القهر والأذى والرغبة في الخلاص. ولا تستثني المسرحية الزوجة من دائرة الشك، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات جديدة ويجعل كل شخصية قابلة لأن تكون ضحية أو جلاداً أو شريكاً في الجريمة.
ولا تكتفي المسرحية بتقديم لغز بوليسي حول جريمة قتل، بل تذهب أبعد من ذلك، عبر مساءلة مفهوم الحقيقة والذاكرة والانتقام، وكيف يمكن للإنسان أن يعيد بناء الماضي وفق ما يخدم روايته أو يحميه من مواجهة حقيقة مؤلمة.
وفي ختام العمل، لا تقدم «ضباب» إجابة نهائية وحاسمة، بل تترك الحقيقة معلقة بين الاحتمالات، بعدما تتداخل الوقائع مع الأكاذيب والذكريات مع الأوهام، ليظل المتلقي شريكاً في البحث عن الحقيقة حتى اللحظة الأخيرة.
ويحمل عنوان المسرحية دلالة رمزية عميقة؛ فالـ**«ضباب»** هنا ليس مجرد حالة بصرية، وإنما استعارة لاختلاط الحقيقة بالوهم، وتداخل الصدق بالكذب، واستحالة رؤية الماضي والحاضر بوضوح عندما تكون الذاكرة نفسها مثقلة بالخوف والألم.
ويقف وراء هذا العمل فريق فني متكامل، حيث تتولى مريم الزعيمي الدراماتورجيا والإخراج، فيما كتب النص أيوب أبو النصر، ويشارك في التشخيص كل من أيوب أبو النصر، مريم الزعيمي، عادل أبا تراب وأشرف مسياح، مع تولي أيوب أبو النصر مهمة مساعد المخرج.
ويضم الطاقم الفني أيضاً أيوب لهنود في تأليف الموسيقى، وعبد الرزاق آيت باها في تصميم الإضاءة، وعبد الحي السغروشني في تصميم السينوغرافيا، بينما تولت أسماء هموش تصميم الملابس.
أما تنفيذ الديكور فتكلف به طارق قرقوحي وبدر العباسي، وتنفيذ الملابس فاطمة حموشة، فيما يشرف معاد بياري على الجانب التقني للصوت، وتتولى إلهام بدري المحافظة العامة، والطيب جعفري التنسيق والتوثيق.
وعلى مستوى الإدارة والتواصل، تشرف بسمة لعلج على الإدارة والتواصل، بينما تتولى عتمان لبيض وكوتر بنسجاي إدارة الإنتاج.
وبذلك تراهن «ضباب» على بناء فرجة مسرحية قائمة على التوتر النفسي والغموض وتعدد الروايات، واضعة الجمهور أمام مرآة تكشف هشاشة الذاكرة الإنسانية، وتطرح سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الإنسان على مواجهة ماضيه، عندما يصبح الانتقام أقرب إلى الحقيقة من الحقيقة نفسها.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.