أخبار وطنية

غياب الوعي والمعرفة عند الناخب يحولان دون اختياره لمن يمثله بإرادته الحرة.

صوت العدالة:محمد الموستني

هذه الجملة “العنوان “وحدها تكفي لتفسير الكثير من مظاهر الإحباط التي نعيشها بعد كل محطة انتخابية. فالصندوق لا يفرز دائما الأكفأ، ولا الأصلح، بل يفرز في الغالب من نجح في استغلال فراغ العقل لا قوة البرنامج.

في واقعنا المعيش نجد مواطنين لا يعرفون الفرق بين صلاحيات المجلس الجماعي وصلاحيات البرلمان. يطلبون من رئيس الجماعة توفير فرص الشغل، ويحاسبون النائب البرلماني على حفر طريق داخل الحي. هذا الخلط ليس بريئا. هو نتيجة مباشرة لغياب المعرفة. وحين تغيب المعرفة يصبح الناخب بلا بوصلة، فيصوت بالعاطفة، أو باسم العائلة، أو لأنه “معروف في المنطقة”. وهكذا تتحول الانتخابات من عملية اختيار إلى عملية تكرار لنفس الوجوه ونفس الأخطاء.

لكن المشكل لا يتوقف عند الجهل بالمعلومة. الأخطر هو غياب الوعي. والوعي هو القدرة على التمييز. في الأسابيع الأخيرة قبل الاقتراع تغرق هواتفنا بمقاطع مفبركة، وبأخبار تهدف إلى تشويه خصم، وبوعود مستحيلة. من لا يملك الوعي يصدق ويشارك دون أن يسأل من المستفيد. كما أن غياب الوعي يجعل البعض يرى في صوته سلعة. قفة، ظرف فيه مال، وعد بمنصب. فيبيع اليوم ما سيحتاجه لخمس سنوات قادمة. لا أحد يجبره، لكنه ببساطة لم يدرك بعد أن ثمن هذا الصوت هو الطريق والمدرسة والمستشفى.

النتيجة المباشرة لهذا الغياب المزدوج هي ثلاث. أولها العزوف. كثيرون يقولون “صوتي لن يغير شيئا”. فيهربون من المسؤولية ويتركون الساحة فارغة لمن يملك المال أو القبيلة. ثانيها التصويت غير الواعي الذي يفرز مجالس ضعيفة لا تملك رؤية ولا برنامج، فيزداد بعدها حجم الاحتقان. وثالثها أن المواطن نفسه يفقد أداة المحاسبة. كيف ستحاسب منتخبا بعد خمس سنوات وأنت لم تفهم أصلا ما هي مهامه يوم صوت له؟

الانتخابات الناجحة في أي بلد لا تقاس فقط بعدم وجود عنف. تقاس بمدى حرية الاختيار. والاختيار الحر لا يولد في يوم الاقتراع. يولد في المدرسة التي تعلم التلميذ معنى المواطنة. ويولد في الإعلام الذي يشرح ويقارن بدل أن يلمع. ويولد في عمل الأحزاب التي يجب أن تتحول من دكاكين موسمية إلى فضاءات للتكوين. ويولد في جمعيات المجتمع المدني التي تنزل إلى السوق والمقاهي لتشرح بلغة بسيطة: هذه ورقتك، وهذا أثرها.

الحصيلة في نظري أن المسؤولية فردية قبل أن تكون جماعية. لا يمكن أن نشتكي لمدة خمس سنوات من مجلس اخترناه دون أن نقرأ له سطرا واحدا. لا يمكن أن نطالب بالتغيير ونحن نسلم صوتنا لمن يدفع أكثر.

المعرفة تمنحنا سلطة الفهم، والوعي يمنحنا سلاح الدفاع عن هذا الفهم. وبدونهما معا، سيبقى صوتنا ملكا لغيرنا، وستبقى انتخاباتنا تدور في نفس الحلقة: نشتكي من النتائج ونحن من صنعناها بأيدينا.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.